63.في موكب الإصلاح
الجزء ١ · صفحة ١٤٠139
إلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقي إلا بِالله عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإليه أَنِيبُ
[هود/ 88]
ولَمَّا كان الإباضية - وما زَالُوا - جُزءًا لا يتجزأ من كيان هذه الأمة الإسلامية شَغَلَهُم ما يَشْغَلُ كُلَّ ابن بَرٍ غَيُورٍ تِجَاهَ أسرته، مِنْ حِرْصِ على لَمَّ الشَّمْلِ، وتوحِيدِ الكَلِمَة، ورأبِ الصَّدْع، وسَعي إلى ما فيه الصّالِحُ العام؛ الذي تتلاشى عنده المطامح الشخصية، وتَغِيبُ عن ساحته الأَثَرَةُ وحُبُّ
النفس.
بَيْدَ أن صنائعهم لَمْ تُسَطّرْها الدّفاتِرُ، ولَمْ تشتغل بتقييدها المَحَابِرُ، فغاب عنا من أخبارهم شيء نَحسَبُه كثيرًا، وبَقِيَ غَيْضُ يَدُلُّ على أَنْ وَرَاءَهُ فيضًا غزيرا. على أنا إِنْ تَلَمَّسْنا العُذرَ لِمَنْ تقدَّمَ فليس لأبناء هذا الجيل عُذر يتشبثون به، ولا تَنْهَضُ لَهُمْ حُجَّةُ تبرّر لهم تَخاذُلَهُم عن تدوين سيرة أسلافهم، ولا يفسِّرُ هذا الموقف منهم سوى أنه إقرار بضعفهم أمام خصمهم، وتشجيع لأصحاب الأقلام الزائفة والمُغْرِضَة أن تطغى كتاباتهم على الساحة، وتُعَشَّشَ أفكارهم في عقول الناس.
شخصية
ولقد دَفَعَنِي إلى هذه الكتابة – مع قُصوري عنها - أمرَانِ: الأول: إيماني بأن التواضع في هذا المقام هو عَيْنُ التقاعس، وأن التلبسَ بِمَظاهره تلبس بأثواب الجبن والخنوع التي تَشْقُ عن مهزوزة تحتها، ترضى أن ينخرَ السُّوسُ في جذور هذه الأمة ولا تبالي بما وراء ذلك من عواقب.