منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ١٠٢

مرح

رحلة الكتمان

من الدعوة وقد عرف عروة إضافة إلى خصائصه الجهادية المشار إليها آنفاً، بعلمه وتواضعه وأخلاقه الإسلامية العالية، وكان أبو عبيدة مسلم الذي سيصبح زعيماً محنكاً، وخليفة لجابر بن زيد مولى لعروة بن حدير هذا، مما كان له أبلغ الأثر في مسيرة حركة أهل الدعوة، ولعله أثر لا يقل نجاعة من أثر أخيه أبي بلال مرداس. لذا يعده الإباضية من أيمتهم الأوائل المعدودين، ولكن كتب التاريخ لا تحله محله اللائق به وقلما قرأنا من يحاول إبداء دور عروة في مسيرة حركة الإباضية؛ اللهم إلا إشارات خاطفة هنا وهناك من كتب السير. والناظر في بعض الوقائع التاريخية التي حدثت في هذه المرحلة، يدرك أبعاد هذا النظام العجيب الذي لم يكن كتمانا عن خوف أو سرية عن جبن، بل هو كتمان من أجل الوصول إلى مر- حلة الظهور، وسرية حفاظاً الجماعة، وتماسكهم أمام خصومهم حتى لا يأخذهم على غرة أو فرقة. وقد

عرف

منهم

على وحدة

شخصيات مرموقة، بلغت أعلى المناصب لأداء رسالة الشراة

وإبلاغهم بما عساه يقع من أخطار محتملة. فقد عرف منهم صالح بن عبد الرحمان كاتب الحجاج وصاحب دواوين العراق، والذي قلب الدواوين إلى العربية، ثم كان على خراج العراق أيام ولي يزيد بن المهلب، وقد كان يزيد بن أبي مسلم المقرب من الحجاج أيضا يرى رأيهم ويتظاهر بغيره (1)

ومن هذه النظم الدالة على حس سياسي وتنظيمي دقيق، أنهم كانوا يبثون العيون والأعوان حتى في أشد مواقع الحكم والسلطان عداء وخطراً.

1 - المبرد: الكامل، ج 1 مكتبة المعارف بيروت (و. ج) ص 355.

102