منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧الدور الحضاري
من الدعوة عند الأباضية
ملح
إن الإباضية لم يستخدموا وسائل العنف كما استخدمها خصومهم ضدهم، وإنما عرف عنهم المسالمة، والمهادنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، حتى في أشد المواقع تعرضاً للخطر والموت. وهم من أجل هذه الخصيصة أطلق عليهم الأزارقة (القعدة) تعبيراً لهم لقعودهم عن الخروج. وما من شك في أن التجربة والاحتكاك بالواقع السياسي علم الإباضية هذه المنهجية في الدعوة إلى الله، فبرزت سمة واضحة في سلوكهم، ومواقفهم، ورؤاهم طوال تاريخهم ابتداء من تزعم أبي بلال مرداس لجماعتهم بالبصرة ما بين سنتي (55 - 61 هـ).
وقد تجسدت هذه الروح في مشاهد مؤثرة ترويها الكتب التراثية عن معركة (آسك) التي دافع فيها أبو بلال وأصحابه الأربعون جيش ابن زياد العرمرم، وكان النصر إلى جانبهم رغم عدم التكافؤ بين الجيشين عدداً وعدة، وأحسب أن ماتركه أبو بلال من العبر والمواقف ظلت خالدة في أذهان الشراة، حيث يبين لهم بطريقة عملية كيف يكون التعامل الإسلامي مع الأعداء في كل الحالات انتصاراً والهزاماً.
يقول الإمام أبو قحطان الهجاري في سيرته:
«فلما كثر القتل في المسلمين والأذى خرج المرداس بن حدير وأصحابه (رحمهم الله) بائعين أنفسهم الله، غضباً واحتساباً لرجاء الثواب يوم القيامة، ولم يكن خروجهم لفريضة لزمتهم، لأنهم كانوا قليلاً في خلق كثير، وإنما فرض الجهاد على المسلمين إذا كانوا نصف عدد عدوهم وحينئذ لا يسعهم المقام ويجب عليهم الخروج في سبيل الله، ولكن المرداس (رحمه الله) طلب
267