منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

الدور الحضاري |

ملح الدعوة عند الأباضية

ويعضد (المبرد) هذه الرواية حيث يؤكد على مسلك الشراء الذي سنه أبو بلال لأصحابه فصار من مسالك الدين عند الإباضية بعده، فإن أبا بلال لقي صديقا له وهو عبد الله بن رباح الأنصاري فقال له: «أين تريد؟» فقال أبو بلال: «أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة». فقال له: «أعلم بكُم أحد؟ قال: «لا». قال: «ارجع». قال: «أوتخاف علي مكروهاً». قال: «نعم، وأن يُؤتى بك». قال: «لا تخف، فإني لا أجرد سيفاً، ولا أخيف أحداً، ولا أقاتل إلا من قاتلني ثم مضى».

(1)

وعندما وصل (آسك) التقى برجل من أصحاب ابن زياد مع جيش يريد

خراسان فصاح بهم أبو بلال: «أقاصدون لقتالنا أنتم؟»، فقالوا: «إنما نريد خراسان» فقال: «أبلغوا من لقيتم إنا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا لنروع أحداً، ولكن هرباً من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا، ولا نأخذ من الفيء

إلا أعطياتنا.» (2

هذا

(2)

هو المسلك الذي سنّه أبو بلال مقتدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم مهتديا بكتاب الله، مخالفاً في ذلك سيرة المتطرفين من الخوارج، ليصبح بعده منهجاً مستقيماً،

وطريقاً لاحباً لمن اقتنع بسيرته من الإباضية.

وهكذا أصبح الشراة حريصين على عدم استعمال السيف إلا عند الضرورة القصوى وانتهاج سياسة حربية ربطوها بالدين فسموها مسالك الدين، وهي الحالات التي يكونون عليها منتصرين أو منهزمين. ولذا أوجدوا مسالك أربعة وهي الظهور، والدفاع والشراء والكتمان. وضعت كتبهم

1 - المبرد: الكامل، ج 2، ص 183.

2 - المصدر السابق، ص 185.

269