منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠الدور الحضاري
العقدية لها شروطاً ونظماً دقيقة تدل على نظر بعيد ووعي سديد. وأبرز ما نلحظ في هذه المسالك حرصهم وورعهم في دماء المسلمين وأموالهم، فإن الإباضية لا تستحل دماء مخالفيهم من المسلمين إلا في حالة حرب، وبعد إلقاء الحجة على المخالف. يقول الشيخ اسماعيل الجيطالي في قواعد الإسلام: «وتحل الدماء بالظلم والابتداء به» (1). وقد طبق هذا المبدأ عملياً في كل الوقائع الحربية التي خاضوها ضد الأمويين أو غيرهم مشرقاً ومغرباً، فقد تواترت كتب التاريخ عن حرصهم بدأهم خصومهم بالحوار وإقامة الحجة قبل البدء بالقتال بل هم لا يبدأون بالقتال إلا دفاعاً. عن النفس، فقد كانوا من أحرص الفرق الإسلامية على استخدام الحوار، ومحاولة الوصول إلى التفاهم والصلح بعيداً عن استخدام السيف وإراقة دماء
المسلمين.
فلا يجوز عندهم قتال إلا بعد الدعوة وإقامة الحجة، وإعلان القتال، ولا تحل غنائم المخالفين في الحرب إلا الخيل والسلاح وكل ما فيه قوة في الحروب، ويردون الذهب والفضة إلى أصحابها على الرغم من أن الذهب والفضة قد يكونان مساعدين هامين لمواصلة الحرب، ولكن طابع التعفف الذي جبلوا عليه يمنعهم من ذلك.
وقد لخص الرقيشي سيرة الإباضية المتسمة بالتسامح والاعتدال في قوله: والمسلمون لا يعترضون الناس ولا يقتلونهم بغير حق، ولا يلعنونهم، ولا يبرؤون منهم، وهم يقرون بالحكم ويرضون به، ولا يقاتلون قوماً حتى
1 - الجيطالي: قواعد الإسلام، ج 2، ص
270