منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٥الدور الحضاري
ذلك ورعهم الشديد، وتصور الخيرية، والثقة، وعدم المكر في خصومهم. وفي التاريخ مشاهد كثيرة متنوعة، نكتفي بذكر نموذج لها ما وقع لأبي بلال بن مرداس من جيش عبيد الله بعد أن طلبوا منهم هدنة للصلاة، فقتلوا
بين راكع وساجد وكانت الغلبة من قبل … إلى صفوفهم. ولعل من أبرز الوقائع التاريخية التي تجلى فيها هذا السلوك الإسلامي النبيل سلوك الإمام القائد عبد الله بن يحي الكندي عندما فتح حضرموت واليمن، ودخوله منتصراً، طالب الحق الذي أجمع المؤرخون كافة إباضية وغير
إباضية على حسن سيرته وسياسته ولم نجد فيهم من يطعن في عدالته … )
(1)
كانت سياسته الالتزام الشديد والحرص الأكيد على تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة في معاملته المخالفين له مذهباً من المسلمين، وقد استطاع بورعه وحزمه أن يوفق بين المبدأ والتطبيق، دون أن يسمح للعواطف أن تسيره في اللحظات الحرجة التي تطغى فيها هذه العاطفة مثل لحظات الانتصار ومواقف الغلبة التي قد تثور فيها العواطف الدافقة إلى الانتقام من أو إشفاء غليل الصدر منه. فعندما طلب قائده أبرهة بن الصباح
الخصم
،
الحميري الإجهاز على الهاربين وقتلهم مَنَعه، مع أن طالب الحق كان قد تمكن منهم كما يبدو من رواية البلاذري، ذلك عملاً بمبدأ الإباضية الذين لا يجيزون الإجهاز على المستسلم، ولحوق المدبر في الحرب، كما جاء ذلك في شرح قواعد الإسلام للجيطالي، وقد رأينا الموقف ذاته مع أبي حمزة المختار مع خصومه في قديد، وهذا يدل على الطابع الإسلامي لسلوك الشراة في كل الحالات منتصرين كانوا أم منهزمين. ونستطيع أن نلمس مثل هذا السلوك
1 - مهدي طالب هاشم: مرجع سابق، ص 118
275