منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٣٣٠

الدور الحضاري

KAN DEVE

إن العاصي في المجتمع الميزابي عندما يثبت قطعياً – بواسطة العدول لدى هيأة العزابة – أنه ارتكب كبيرة كمنع حق أو تمرد على جماعة أو طعن في الدين، أو ارتكاب فاحشة مثل ترك الصلاة، أو شرب الخمر، والقمار والتدخين، والتعدي على حقوق الغير، أو نحو ذلك مما حرمه الله، تناديه عشيرته فتنهاه، فإن تاب فذاك وإلا رفع أمره إلى العزابة، وبعد الصلاة الجامعة يقف الشيخ ليعلن البراءة من المذنب ويسميه ويبين جريمته، فتقاطعه المدينة كلها حتى من أقرب الناس إليه.

والمحكوم عليه بهذا يحرم من حقوقه المدنية مالم يعف عنه … وكل من عامله في شيء وثبت لدى المجلس ذلك بالعدول فإنه يلحق به، وهذا الحكم ينطبق على كل مرتكب لشيء مما ذكر لا فرق في ذلك بين الفقير والغني، ولا تقبل توبته إلا في المسجد، وعند اكتظاظه بأفواج المصلين (1)، وإذا مات المحكوم عليه

قبل التوبة فإن العزابة لا تتولى غسله وتجهيزه وإنما تحيل ذلك إلى العوام. إن هذا العقاب الصارم يجرى على كل الطبقات، وقد تبرأ العزابة من موظفين كبار أقامتهم فرنسا وجرأتهم على المسلمين، كبعض القضاة، وبعض رؤساء البلديات، فلم يسعهم إلا التوبة، ولقد ثبت جدوى هذا الردع النفسي الاجتماعي إلى حد بعيد، وإن بدأ يتقلص تطبيقه بعد تطفل بعض النظم المعاصرة وتدخلها في المجتمع الميزابي. وهو أجدى نفعاً من العقوبات الجسدية الأخرى كالجلد، والسجن، فإن السجن والجلد وكل أنواع العقاب أهون من احتقار المدينة، ومقتها وكذلك غريزة الاجتماع التي تحرم بالبراءة وبالوحدة

1 - توفيق المدني، كتاب الجزائر، ص 106. (بتصرف)

330