منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤ملاحق
من الدعوة عند
الخطبة الثالثة: لأبي حمزة على أهل المدينة (1)
قام أبو حمزة يخطب بالمدينة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «يا أهل المدينة، مالي رأيت رسم الدين فيكم عافياً، وآثاره دارسة لا تقبلون عليه عظة، ولا أهله حجة. قد بليت فيكم جدته، وانطمست عنكم سنته. ترون معروفه منكراً والمنكر من غيره معروفاً، إذا انكشفت لكم العبر وأوضحت لكم النذر وعميت عنها أبصاركم وصمت عنها أسماعكم، ساهين في غمرة، لاهين في
تفقهون من
غفلة.
العلم،
ر، مستوحشة
من
تنبسط قلوبكم للباطل إذا تشير، وتنقبض عن الحقِّ إذا ذُكِر. مستأنسة بالجهل، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفوراً، تحملون منها في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، أولم تلن لكتاب الله الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله.
يا أهل المدينة، ما تغني عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم، إن الله قد جعل لِكُلِّ شيء غالباً يقاد له ويطيع أمره، وجعل القلوب غالبة على الأبدان، فإذا مالت القلوب ميلاً كانت الأبدان لها تبعا، وإن القلوب لا تلين لأهلها إلا بصحتها، ولا يصححها إلا المعرفة بالله وقوَّة النية ونفاذ البصيرة، ولو استشعرت تقوى الله قلوبكم لاستعملت بطاعة الله أبدانكم.
يا أهل المدينة داركم دار الهجرة ومثوى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نبت به داره وضاق به قراره، وآذاه الأعداء وتجهمت له، فنقله إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم متوازرين مع الحقِّ على الباطل، ومختارين للآجل على العاجل، يصبرون للضراء رجاء ثوابها، فنصروا الله وجاهدوا في سبيله، وآووا رسول الله صلى الله عليه وسلم
1 - الأغاني، ج 23/ص 251.
394