منهج الدعوة عند الإباضية
الجزء ١ · صفحة ٤٩تمييز الإباضية عن الخوارج
أما جنايتهم على الحقيقة التاريخية فتعود إلى انسياق اللاحق من أولئك الكتاب إلى السابق، دون نقد أو تمحيص، ظناً فيهم أن ما جاء في تلك الكتب
هو الحق، فكيف خفي عنهم أن أغلب ما أُلف في عصور الفتنة أو عنها ولاسيما في العصرين الأموي والعباسي إنما يخضع لدواعي وأسباب غير موضوعية أملتها العواطف الملتهبة مذهبية تارة وطائفية أخرى، فالعصبية كانت الظاهرة الاجتماعية المتحكمة في تلك الكتابات وبعض تلك الكتب كانت تؤلّف لتُهدَى لهذا الحاكم أو ذاك، فهل يعقل في تلك الظروف أن يكتب الكاتبون شيئاً يخالف. هوى الحكام ومذاهبهم، علماً بأن السلطة الأموية لم تكن تتورع في وضع الأحاديث الكاذبة، ودس العيون والجواسيس لتنفر الناس عن هؤلاء الذين صمدوا أمام جبروتهم مطالبين بتطبيق الشريعة الإسلامية في الحكم، وذلك حتى لا تتحد بهم القوى الساخطة الأخرى مثل: الشيعة والتوابين، وقد عبر زياد بن أبيه في خطبته البتراء المشهورة عن هذا المنهج العنيف قائلا: إنه سيأخذ البريء بالمذنب والمطيع بالعاصي، والمقبل بالمدبر، إلى آخر ما جاء في خطبته التي لم يقف أمامها سوى الشاري الإمام بلال بن مرداس، وهو ما جعل زياداً يتوعده هو وأصحابه قائلاً: «والله لن نبلغ منك ومن أصحابك حتى لخوض اليكم الباطل خوضا» (1).
وسلك بعده ابنه عبيد الله مسلكاً أشد وأقسى، وأفظع، فاستخدم الإبادة الفردية والجماعية وزج في السجون كل من يشتم منه رائحة الخروج والسخط على السلطة، وكان يقتل بالظن، وكان إذا قتل صلب ومثل وعرى
-1 الجاحظ: البيان والتبيين ت هارون، ط 3 القاهرة، ج 2، ص 6562. وانظر المبحث
الخاص بأبي بلال من هذا الكتاب.
49
19