منهج الدعوة عند الإباضية محمد بن صالح ناصر

منهج الدعوة عند الإباضية

الجزء ١ · صفحة ٩٩

مر

رحلة الكتمان

الخوارج أمثال أبي بلال يتبرؤون منهم ويسخطون عليهم … » (1).

والحق إن كتب التاريخ قد تذكر أعمال الخوارج باستنكار شديد، وتحامل ظاهر، ولكن بعضها لا يمر على بعض المواقف الإنسانية مرور الكرام لأن ما ما في هذه المواقف من أخلاق سامية وعظات بالغة، تنتزع الإعجاب انتزاعاً، وتملك على المسلم حنايا نفسه وتملؤها حدباً وعطفا.

يذكر الطبري أنَّ عبيد الله بن زياد قبض على مرداس أبي بلال، وأودعه السجن، ولكن السجان رأى عبادته وصلاحه فكان يأذن له في مطلع الليل فينصرف إلى داره ويعود إلى السجن في مطلع الفجر دون أن يعلم ذلك أحد، وكان لعبيد الله بن زياد جليس على صلة صداقة بمرداس، فسمع هذا الجليس من ابن زياد ذات ليلة أنه ينوي قتل من بالسجن من الخوارج إذا أصبح، وصدرت الأوامر للسجان بتقديمهم صباحاً إلى السياف، فعرف مرداس وهو في بيته ذلك الخبر من جليس ابن زياد وقيل لمرداس: انج بدينك ولا تعد إلى السجن، قال مرداس: إني أكره أن أواجه ربي غادراً. وعزم على أن

في مطلع الفجر كعادته. أما السجان فأمضى ليلة سوداء إشفاقا من مرداس الخبر فلا يرجع.

أن

يعود

يعلم

فلما كان الوقت الذي يرجع فيه، إذا به يعود، فقال له السجان بعد أن شمله السجن هل بلغك ما عزم عليه الأمير؟ قال: نعم. قال: ثم غدوت؟ قال: نعم، ولم يكن لي أن أخون ولا أن أقابل إحسانك لي بفرار تعاقب أنت

1 - الفرق الإسلامية في العصر الأموي؛ ص 407.

99

69