الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٠الإباضية في موكب التاريخ
98
نشأة المذهب الإباضي
وعندما تحدث المنازعات والثورات، لماذا لا نشرح أسبابها الحقيقية ونعترف بالخطأ، سواء كان هذا الخطأ من الدولة أو من الثائرين عليها، ثُمَّ: نن ننسب هذه الثورات إلى القائمين بها لا إلى أجناسهم وعناصرهم؟. قلت: لقد حرص المؤلف أن يسمي حركات الإباضية بالفتنة، وأن ينسبها إلى البربر، حتى يجمع الإِبَاضِيَّة في صعيد واحد مع فرق أخرى، يرى المؤلف أنها رقيقة الدين، ضعيفة
الإيمان.
خلافة عمر بن
ولَكنَّهُ لَمْ يكلف نفسه عناء تبرير أحكامه هذه عندما يسنده إلى أمة مسلمة، ولم يجد في الواقع التاريخي ما يجعله يؤمن بأن حركات الثورة التي يقوم بها الإباضية كانت فتنة أو تدعو إلى الفتنة، فإن الحكم الذي كان بيد الأمويين أولاً - ما عدا فترة قصيرة هي عبد العزيز - وبيد الدول العباسية ثانيا كان ملكا عضوضا كما سَمَّاه رسول الله. ولم تكن خلافة رشيدة، والثورة على هذا الملك العضوض الظالم لا تعتبر فتنة، ثُمَّ إن ولاة هذه الدول وعمالها في مختلف بلاد الإسلام لم يتقيدوا بأحكام الكتاب، ولم يعرفوا للعدل معنى، ولم يحترموا للناس حقا، فكانت الأمة لا تكف عن الثورة، ولا تقف عن الكفاح؛ كفاح ألوان الاضطهاد والظلم والطغيان في جميع بقاع العالم الإسلامي، في الجزيرة العربية، وفي الشام، وفي العراق، وفي فارس وما وراءها، وفي مصر والمغرب الإسلامي. غير أن مؤلف کتاب "تاريخ الفتح العربي في "ليبيا" لا يحلو له أن يطلق كلمة الفتنة إلا على الثورة التي يقوم بها هؤلاء الذين يحرص أن يطلق عليهم اسم البربر، ليجعل منهم صفا معارضا للعرب، ويجهد أن يجعل بينهم وبين الإسلام سدا، وأن يشعل بينهم وبين أخوتهم من العرب ناراً. لقد كان أكثر أولئك الذين قادوا الثورات التي قام بها الإباضية ضد الظلم في ليبيا من
العرب، ورغم ذلك فإن صاحب الكتاب ينسبها إلى البربر، ويعبر عنها بالفتن. إن الثورات في العالم الإسلامي لَمْ تقف يومًا واحدًا منذ انحرف القائمون بالأمر عن الحكم بكتاب الله، والسبب في ذلك بسيط ومعقول كانت البشرية خاضعة لآلهة من البشر، صابرة على طغيان الإنسان حَتَّى جاء الإسلام فبعث كرامة الإنسانية في المسلمين، وحرم فيهم الاستكانة، والذلة والعبودية ما أمكنهم، دفاعها وشعر المسلمون بتحقيق هذه