الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠١الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضـ
الكرامة في عهود النبوة والخلافة الرشيدة، فَلَمَّا تولى الحكم أولئك الذين انحرفوا عن الدين إلى الدنيا، وعن الْحَقِّ إلى الأثرة، وعن العدل إلى الجور .. ثار الأحرار في كُلّ مكان، ولا يزالون يثورون إلى اليوم، وإلى يوم القيامة.
وقد عجبت للمؤلف وهو يكتب في هذا العصر الذي استيقظ فيه المسلمون وعرفوا جميع أخطاء الماضي، وهم أحرص ما يكونون على إبعاد ذلك الشبح البغيض، الذي فرقهم إلى أحزاب وشيع وملأ قلوب الناس بالبغضاء والكراهية، وسهل عليهم الوثوب على من يخالفهم لسبب ولغير سبب. عجبت للمؤلف كيف يسمح لنفسه أن يكتب بهذا الأسلوب، وبهذه الروح، وأن يرتضى لنفسه أن يكون محيي عصبية، في هذا العصر الذي يجب أن تتكتل فيه الأمة، وأن تتضامن
فيه جهودها.
لقد بذل المؤلف جهدًا جبارًا وهو يكتب عن وطنه الحبيب، ولكنَّه حرص أشد الحرص على الكتابة بهذا الأسلوب، وبهذه الروح حَتَّى في كتابه "جهاد" الأبطال"، فكان يستعمل كلمة العرب والبربر بدلا من أي اسم، آخر قد يكون أدق في المعنى، وأوفى بالغرض، وإنه لغريب حقا لمؤلف في مثل علم الأستاذ الزاوي، واتساع ثقافته وكرهه لدواعي التفرقة والخلاف أن يسخر قلمه لدعوى الجاهلية التي برئ منها رسول الله، وأن يُحرك قضية الجنس في الشعب الواحد، وأن يُميز بين العرب والبربر، كأَنه نسي أن الله تعالى جعل الأُمَّة الإسلامية، أمة واحدة، وأن الإسلام يذيب الجنسيات، ولا يحفل بالقوميات، ولا يأبه للعناصر «كُلُّكُم لآدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَاب» (1).
فلماذا يُحاول بعض الناس إحياء العصبية القبلية، أو الخلافات العنصرية، بعد أن أغنانا الله عنها بالإسلام وكُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهُ، فإذا كان لعربي فضل فهو فضل الإسلام، وإن كان لبربري فضل فهو فضل الإسلام وإنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ الله أتقاكم، وقد حصل بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، على
(1) أخرجه الربيع من حديث طويل، باب في الكعبة والمسجد والصفا، رقم: 419.