الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٠الإباضية في موكب التاريخ
236
الإباضية في الجزائر
ويقص علينا أبو العباس الشماخي في ترجمة أبي عبد الله مُحَمَّد بن الخير إحدى تلك النكبات فيقول: «وذكر الشيخ أظن أبا الربيع- أن عدو الله حماد بن بلقين لما نزل عَلَى كدية مغراوة بجنوده وكانت كثيرة، وقف رجل صباحا ليراها وهي تمر عليه متصلة إلى صلاة الظهر من كثرة عددهم فحاصر أهلها، وذكر له أن الخير وأخويه رجال صالحون، حجاج، فناداهم مناديه أن اخرجوا بالأمان، ونادى الضعفاء ومن لا استطاعة له، فلم يخرج أحد فقاتلهم محاصراً نحو شهر، فما أتاهم مدد فأخذهم قهرا إلا برجا فيه عبد الله ومسعود أبناء المنصور الورزماري، فقاتلا أياما المعسكر بأجمعه فقتل مسعود، وأضرمت النار إلى البرج، فرمى عبد الله بنفسه خارجا فمضى وامتنع ونجاه الله منهم، وأخذ حماد ابنه وحمله طمعا أن يكون كأبيه شجاعة ونجدة وجرأة».
هذه نماذج من الفتن المتوالية المتتابعة التي كانت تقع هناك، بل و في غيرها من بلدان الواحات، فكان السكان لا يهنأون بعيش ولا ينعمون بسلام، ولا يطمئنون إلى أحد، ولا إلى مكان؛ بل إن بعضهم ما يكاد يستقر في مكان حَتَّى تحدث أحداث تدفعه إلى الهجرة والفرار، فإذا قصد مكانًا لحقته الفتن والأحداث مرة أخرى. وكثيرًا ما كانت تلك الفتن والأحداث تتسبب في تشتيت أسرة وتفريق عائلة واحدة إلى جهات مختلفة، فيقصد بعض دون وعي ولا تخطيط مكانًا، ويقصد الآخرون أيضا بدون وعي ولا تخطيط ولا اتفاق أمكنة أخرى، وقد سبق أن أشرنا إلى بعض الفتن والحروب التي وقعت في "وادي ميزاب" أو في "وار خلان"، فتشتت بذلك أسر، وقطعت وشائج أرحام، وضاعت نفوس كريمة بين الحل والترحال وهي تلتمس مأوى آمنا تستكن فيه، وموطنا يسوده السلام لتستقر بين ربوعه ومغانيه