الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠١الإباضية في موكب التاريخ
237
الإباضية في الجزائر
إمارات الدفاع
عندما انحرف الحكام عن منهج الإسلام في الحكم فكر إباضية المغرب الإسلامي في إقامة إمامة تعود بالأمة إلى المنهج الذي رسمه الإسلام، وسار عليه الخلفاء الراشدون، وقليل من الأئمة الذين جاءوا من بعدهم مثل عمر بن عبد العزيز فقاموا بالتجربة في ليبيا، وأقاموا ثلاث إمامات متعاقبة لم يكتب لإحداهن أن تستقر وتطول، فقد وجهت إليها الضربات من كُلّ جهة وجانب، وَلَمَّا فشلت التجربة في ليبيا - وهي بوضعها الجغرافي معبر بين الشرق والغرب- أعادوا التجربة في الجزائر، فأقاموا الدولة الرستُميَّة. واستطاع أغلب أئمة هذه الدولة أن يعودوا بالحكم إلى ما ألفته الأمة من السير على النهج الإسلامي القويم من الإمامات العادلة، وبعد ما يقرب من قرن ونصف قضى عَلَى تلك الدولة وانقرضت الإمامة في تاهرت. ومنذ قُضِي عَلَى الدولة الرستُميَّة لَمْ يفكر إبَاضِيَّة المغرب تفكيراً جديًا في إقامة بناء دولة مرة أخرى، وَإِنَّمَا كانوا يعملون على أن يعيشوا في أمن وسلام، تاركين لغيرهم دنياهم يتهارشون عليها تمارش السباع؛ ولَكنَّهم رغم ذلك فقد اضطروا في كثير من الأحيان أن يبايعوا أمراء سموهم أمراء دفاع، وذلك عندما تبلغهم أخبار عن مهاجمة عدو لهم، أو تتوقع خطر ينزل عليهم، فَإِنَّهُم يتفقون على واحد منهم يبايعونه عَلَى أن يقودهم في معركة الدفاع. فإذا انتهت المعارك، وذهب العدو، وأمنت البلاد بطلت البيعة والإمارة تلقائيا، فلا يحتاج إلى عزل ولا تنازل؛ بل بانتهاء مهمات الدفاع يصبح الأمير فردا كسائر الناس. إِنَّهَا بيعة تُخوِّل الإمام أن يقود الناس إلى الدفاع عن أموالهم وحرماتهم وأنفسهم وأوطانهم، ويقيم بينهم وفيهم في تلك الفترة أحكام الله وحدوده، فإذا أمنوا وزال الخطر ورجعت الأمور إلى نصابها انحلت البيعة من أعناقهم، وزالت الإمامة عن إمامهم، ورجعوا تلقائيا إلى الوضع الذي كانوا عليه قبل أن تنجم هذه الحركة.
إن إمارة الدفاع عند الإباضيَّة إمارة مؤقتة تقتضيها ظروف معينة لمجابهة أحداث واقعة أو متوقعة، فإذا زالت الظروف زالت الإمارة. وهذا التنظيم الاستثنائي يَدُلُّ عَلَى فهم عميق