الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٤

الإباضية في موكب التاريخ

240

الإباضية في الجزائر

وقد يقتضي منطق الدفاع أن يبدأ بالهجوم على صفوف أو خطوط المعتدي لإيقاع الخلل في تنظيمه ومفاجأته بما لَمْ يجعل له حسابا.

أما الغارات المفاجئة التي تقوم بها عصابات أو قبائل بقصد الحصول على ما سهل من أموال ثُمَّ الفرار بها، فَإِنَّهَا لا تترك فرصة للتفكير والتنظيم ثُمَّ عقد إمارة. وَإِنَّمَا يتلقاها أوَّل من يراها أو يسمع بِهَا ثُمَّ يبعث بالصريخ إلى الباقي، وقد تنتهي تلك الوقائع قبل أن يسمع بها أغلب السكان، لا سيما إذا كانت تلك الغارات تستهدف قوافل في الطريق، أو ماشية في المراعي، أو غلالا على أشجارها في أطراف البساتين، فتخطف منها ما يتيسر لها اختطافه، أو اختطاف بعضه ثُمَّ تفر تاركة في أغلب الأحيان قتلى وجرحى منها أو من أصحاب المال المسروق أو منهما ماء ولذلك فقد كان سكان الواحات مثل "وار جلان" و "وادي ميزاب" يتخذون حراسا لغاباتهم في فصول نضوج الثمار. وكان أولئك الحراس يوزعون مسلحين عَلَى مختلف مناطق الغابات والبساتين، وكثيرًا ما تنشب معارك حامية بين أولئك الحراس وبين القائمين بالغارات أو السرقات الذين يتسللون ليلا في جماعات فيختلسون ويفرون، وإذا اعترض طريقهم معترض ضربوا وقتلوا، غير أن هذا النوع من الأحداث داخل في السرقات العادية التي لا يخلو منها مكان ولا، زمان، فهي لا تقتضي وجود إمارة خاصة للدفاع، وَإِنَّمَا تستلزم يقظة وحراسة مستمرة، ولذلك فقد جعل له جهاز خاص تتعاون على تكوينه مجالس العشائر تحت إشراف العزابة والأفراد الذين يتكون منهم هذا الجهاز يُسَمَّى "إمصوردان (1)، ولهذا الجهاز نظام كامل مسجل لم أحصل على صورة منه بكل أسف حتَّى أضع صورة له أعرضها على القارئ الكريم، ليتعرف على جانب آخر من جوانب التنظيم في تلك المنطقة الحية.

(1) لا أعرف المعنى الذي تَدلُّ عليه هذه الكلمة، ولم أسأل عنه أحدا من الإخوة الجزائريين الذين يستعملونها، فإن كان لها لديهم مدلول فذلك هو؛ وإلا فأعتقد أن تحريفا بسيطا دخل عليها، وأن أصلها "أمسيردان" أي المنظفون أو المطهرون وأطلق عليهم ذلك؛ لأنهم ينظفون الغابة أو القرى، أو يطهرونها من دنس السرقة، وعلى كُلّ حال فهو استنتاج خيالي فلا تهتم به.