الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٥

الإباضية في موكب التاريخ

241

الإباضية في الجزائر

إباضية الجزائر تحت الحكم العثماني

عندما دخلت الجزائر تحت الحكم العثماني كان الإباضية الذين يسكنون بلاد "وادي

11

و" وارجلان" يفكرون في موقفهم تفكيرًا عميقا، هل ينضمون تحت لواء هذه الدولة أم يحاولون أن يبقوا على الوضع الذي كانوا عليه مستقلين في جميع شؤونهم، لا يتبعون دولة أو إمارة، ولا يعلنون عن دولة لأنفسهم؟!

وفكر القوم فيما يبدو - تفكيرًا طويلا واستعرضوا حالتهم في ذلك الحين، وقارنوا بين حياتهم تلك وبين الانضواء تحت جناح هَذه الدولة المسلمة القوية الجديدة، والاحتماء بها، وما يتوقعون أن يكون لهم في ذلك من أمن وسلام. ولا شك أن الآراء اختلفت، وأن الجدل كان محتوما، وأن اجتماعات كثيرة قد انعقدت لدراسة الموضوع غير أن ذلك الجدل وتلك الاجتماعات والمناقشات التي جرت فيها المقارنة بين عهدين أحدهما: ماضي ومعروف، والآخر: مستقبل مجهول مخوف قد أسفرت جميعها عَلَى أن جانب دعاة الالتجاء إلى الدولة والاحتماء بها كان أقوى فمالت إليه الأغلبية وأيدته العناصر التي بيدها الحل والعقد. فقررت الاتصال بالدولة العثمانية والاتفاق معها قبل أن تتحرك هي نفسها للاستيلاء. وقد تم ذلك فعلا، فذهب وفد مخول بصلاحيات كاملة للاتفاق إلى الجزائر العاصمة، وقد استطاع ذلك الوفد أن يعقد مع الدولة الحاكمة اتفاقية تشتمل على عدة بنود لعل أهمها: أن تسمح للإباضيَّة أن يزاولوا أعمالهم الحرة في كُلّ المدن والبلدان التي تقع تحت نفوذ الدولة العثمانية، وأن تتعهد الدولة العثمانية بحمايتهم أفراداً وجماعات في بلدانهم و في جميع بلادها على أن يدفعوا لها خراجًا سنويًا معينا حددته المعاهدة. وقد تم الاتفاق على المعاهدة وأصبح الإباضية في الجزائر تحت النفوذ العثماني لكنه نفوذ شكلي؛ لأنه لا شيء يمثل الدولة العثمانية في بلاد الإباضية، وحتّى الخراج أو الضمان المتفق عليه بينهم فَإِنَّهُم هم الذين يتولون جمعه بأنفسهم، ثُمَّ يوصلونه إلى الحكومة، دون أن تتكلف تعبا ودون أن تطأ قدماها أي جزء من تربتهم، وَلَمْ تحاول تركيا رغم العهد الطويل الذي بقيت فيه أن تغير من بند الحماية إلا ما حاوله أحد ولاتها من ضم "وادي ميزاب" إلى ولاية