الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٧

الإباضية في موكب التاريخ

243

الإباضية في الجزائر

أما أستاذنا الفاضل الشيخ باكلي عبد الرحمن فقد كان جوابه كما يلي: «كان الإباضية في "ميزاب" إلى عهد الدولة التركية منعزلين في وطنهم لا يكادون يتصلون بخارج محيطهم اللهم إلا ما كان من زيارة بعض شيوخ دعوتهم، وما إلى ذلك من انتقالات جزئية مستقلين فيه استقلالا تامًا حَتَّى استقرت قدم الدولة التركية بالجزائر، وأخذ نطاق استقلالها يتسع، فوجدوا أنفسهم بين شدقي ضيغم، ووضعهم عَلَى خطر إن لَمْ يحتاطوا لمستقبلهم، وسارعوا إلى مع هذه القوة الزاحفة مفاهمة يحفظون معها ذاتيتهم واستقلالهم، وإلا عصفت بهـ

المفاهمة

رياح الحوادث ويا ما أكثرها، ولا سيما وهم أقلية. وفعلا اتصلوا بالدولة التركية، وقرروا تبعيتهم إليها تبعية اسمية فقط، أو بعبارة أوضح: دخلوا تحت حمايتها مقابل خراج سنوي يدفعونه لها، ولهم مقابل ذلك حق الاتجار والاكتساب في مدنها وحماية أشخاصهم وأموالهم في أسفارهم عبر بلادها. فهل أمنتهم في أسفارهم وحمتهم من قطاع الطرق حقا؟

كلاً فالذي يقصه علينا التاريخ أن الدولة التركية لم تعر إلى هذه الناحية أدنى التفاتة؛ بل ألقت الحبل على الغارب، وتركتهم عرضة للنهب والسلب والترويع، فلا يخرجون من بلادهم أو إليها إلا قوافل مسلحين استعدادًا للطوارئ، وتحت حماية بعض أبطال ذلك الزمن منهم الذين يستأجرونهم لذلك، مخافة أن يذهبوا هم وأموالهم وأولادهم ضحية، فكم من جماعة سافرت إلى وطنها بعد أن أمضت سنتين في الجمع والاكتساب تخرج عليهم جماعة محرمة من قطاع الطرق، فتجردهم من كُلّ ما ملكت أيديهم، وتتركهم عراة صفر الأكف». تبعد كلام طويل بليغ قال: «فَلَمَّا أخضع الباي صالح جبال "عمور" والصحاري وما حواليها حدثته نفسه بتحويل تبعية "ميزاب" إليه، ففاوض في الشأن باي الجزائر حسن الدولاتلي، فقيل: إنَّه أجاب طلبه نظرًا لإخلاصه وحسن بلائه، بيد أن الميزابيين ثارت ثائرتهم، واضطربوا اضطرابًا شديدًا لما يعلمون من سوء نواياه كما يصرح بذلك جوابهم إلى باي الجزائر الذي أعلنوا فيه في شمم رفضهم لتبعيتهم للباي، صالح، فإما أن يبقيهم على الحالة الأولى من تبعيتهم للسلطة المركزية، وإلا فليسرحوا أبناء "ميزاب" الذين دخلوا بلادهم بأمان،

وأرض الله واسعة الفضاء».