الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٠٩الإباضية في موكب التاريخ
245
الإباضية في الجزائر
الدينية والاجتماعية إلى مجلس العزابة في أكثر الأحوال، ولكن يبدو من أحداث التاريخ ووقائعه أن سلطة مجلس العزابة في تلك الفترة كانت محدودة جدا.
ونظرا لطبيعة هذه الفوارق بين إباضية "وادي ميزاب" وإباضية "وَارجُلان" اختلف موقف الدولة العثمانية منهما، فبينما ألحقت جميع البلاد الجزائرية ومنها "وار خلان" لحكمها، وجعلت عليها ولاة ينفذون سياستها ويطبقون أحكامها ويشرفون على إدارتها ويجمعون لها الضرائب ويتولون رعاية جميع الشؤون في مختلف ميادين الحياة. فبينما يقفون هذا الموقف في "وارجلان" وفي بقية القطر الجزائري تراهم في "وادي ميزاب" يقتصرون على عقد اتفاق حماية، يعترف فيها الشعب الميزابي بسيادة الدولة العثمانية، ويدفع لها خراجًا سنويا معينا، وتتعهد الدولة مقابل ذلك بحمايتهم في وطنهم وخارج وطنهم. أما شؤون "ميزاب" الداخلية في المجالات الدينية والاجتماعية والاقتصادية فمرجعها إلى مجلس العزابة. هذا الفارق بين طبيعة الحياة في وارجلان وطبيعة الحياة في وادي" ميزاب" هو ما ترك الشيخين
يتحدثان عن علاقة "ميزاب" فقط بالدولة العثمانية تاركين الحديث عن "وار جلان" لغيرهم. والواقع أنه إذا استثنينا وضع "ميزاب" فإن أسلوب الحكم العثماني يتشابه في أغلب البلاد الإسلامية؛ لأن المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية قد خضعوا للدولة العثمانية والمنوا إليها، ورأوا فيها دولة الخلافة التي تحافظ عَلَى تراث الإسلام ومجده ما عدا أفرادا كانوا يثورون هنا وهناك لأسباب مختلفة أغلبها شخصية سعيا وراء الوصول إلى كراسي الحكـ الحكم. وقد بادلت الدولة العثمانية المسلمين جميعًا حبًا بحب، واطمئنانا باطمئنان، وأعدت نفسها لتشغل مكان الدولة الإسلامية الكبرى التي تقود البشرية، وتحافظ على الحضارة الإسلامية السابقة، مضيفة إليها ما تستطيعه من حضارة وأمجاد وقد حملت مشعل الإسلام وأوصلته إلى ما لَمْ يصل إليه من بلاد الشرق الأقصى وشمال أوروبا الشرقية. وضعها تجاه الدول الصليبية الحاقدة الحانقة التي كانت تحاول بكل ما عندها من وسائل أن تقضي على الإسلام، وتستولي على البلاد التي ينتشر فيها، عرقلت مساعيها
غير أن
الإصلاحية العمرانية الداخلية.