الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٠الإباضية في موكب التاريخ
246
الإباضية في الجزائر إن الموقف المتعنت من دول أوروبا الصليبية الحاقدة الحانقة جعلها توجه أكمل عنايتها إلى الناحية الحربية، وتهتم بالعواصم والثغور للمحافظة عليها، وتهمل أمور الدواخل في أغلب الأحيان نوعًا من الإهمال اللهم في فترات قصيرة وبجهود بعض الولاة المصلحين بفطرتهم ودينهم. وعلى هذا الوضع كان الجنوب الجزائري.
وهذه الصورة التي عرضناها عَلَى القارئ الكريم لا تمنعنا أن نقول كلمة الحق في تلك الدولة التي رفعت منار الإسلام زمنًا غير قصير، ونشرته في كثير من أنحاء الأرض، وكالت لأعدائه والحاقدين عليه صفعات مؤلمة لا يزال صداها يرن فوق أثباج البحر الأبيض المتوسط. ولقد كان دورها في التاريخ الإسلامي العام لا يقل عن دور الدولتين الأموية والعباسية بحال من الأحوال، إن الذي تَدلُّ عليه المصادر التاريخية التي بين أيدينا من المراسلات الجارية بين مركز الدولة وأطرافها يَدُلُّ عَلَى أن لها عناية واهتماما بالتعرف على شكاوي الأهالي، ودراستها والاستجابة لها، وقبول المعقول من طلباتهم، وأحسب أن هذا القدر كاف في الدلالة على حسن نية الدولة ورعايتها لمصلحة الأُمَّة، ولا مطمع في أكثر من ذلك من أية دولة مدنية لا تلتزم الإسلام منهجًا وحكماً.
وأيا ما كان الأمر فقد كان الإباضيَّة في الجزائر كغيرهم من المسلمين الداخلين تحت نفوذ الدولة العثمانية يرون أنها في ذلك الحين تمثل قوة الإسلام وتحمل لواءه، وأن سلاطينها هم الخلفاء الذين يجب أن يسمع لهم ويطاع أمرهم، وهم لذلك راضون عن الدولة مطيعون لها وإن نقموا بعض الأحكام من بعض الأفراد أو بعض التصرف من أحد الولاة أو الموظفين، وهم لا يطمعون منها في أكثر من ذلك؛ لأنها دولة مستبدة وليست خلافة رشيدة، وهذا الموقف هو ما كانت عليه جميع دول الخلافة في العهد الإسلامي باستثناء الخلافة الرشيدة أو خلافة عمر بن عبد العزيز أو بعض الدول التي قامت في جهات العالم الإسلامي، وَلَمْ يتح لها أن تحكمه كله، وإنما حكمت جانبًا منه لفترة قصيرة أو طويلة، وقد كانت الصورة العامة كما يلي: - اعتراف من الناس بنظام الدولة القائم، واعتزاز، به وسمع له وطاعة، ونقد لأعمال الحكام، وسخط على الولاة الظالمين والموظفين الذين لا يراعون أحكام الله ولا يسيرون على
منهاجه القويم واحترام وتقديس الشخص الخليفة النقد الحر لكُلِّ ما ومن يتصل به.