الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١١الإباضية في موكب التاريخ
247
الإباضية في الجزائر
- كان الإباضية يعيشون في كُلّ من "ميزاب" و"وَارجُلاَن" في نطاق ضيق محصور على ما تنتجه أراضيهم، وعلى حرف يدوية بسيطة، قد يكون أهمها صناعة الصوف الذي تشتغل به المرأة، فَلَمَّا دخلت تركيا إلى الجزائر وأظهرت أنها ستؤمن جميع السبل (1)، وتعهدت للميزابيين بحمايتهم، انطلق أولئك الناس المجدون، حيث يجدون متسعًا للكفاح في سبيل الرزق الحلال، وذهبت جماعات منهم في بادئ الأمر إلى الجزائر لاحتراف التجارة. نجحت تجربة تلك الجماعات نجاحًا باهرا، شجع الكثيرين على الاقتداء بأولئك المغامرين الأولين، وتبعهم آخرون. وهكذا نشط القوم ودخلو أغلب المدن الجزائرية، واستطاعوا - في مدة قصيرة - بما أوتوا من خبرة من التجارب وجد في العمل، وأمانة في المعاملة أن يمسكوا بمقاليد التجارة في كل الجزائر، وبالتالي في الاقتصاد الجزائري العام بعد أن أمسكته ذلك الأيدي الأمينة المجدة الحريصة، فاحترمتهم الدولة لذلك، وكانت تحسب لهم حسابًا أي حساب، وعرفوا هم أيضا متزلتهم في الاقتصاد الجزائري وفي نفس الدولة، فكانوا يدلون عليها بذلك ويهددونها هذا الميدان إذا لم ترع حقوقهم، وتستجيب لمطالبهم، وتفي لهم بما تعهدت به، ويَدُلُّ عَلَى ذلك دلالة واضحة كثير من المراسلات التي جرت بينهم ومن آخرها وأوضحها في هذا المقام ما جاء في رسالة الحاج إبراهيم بيحمان: « … فإن قلت لابد من هذا، فإنا لأمر الله طائعون، ولكلامك سامعون، فسرح حينئذ أولادنا الذين دخلوا الجزائر بأمان الخادمين
بالانسحاب من
منهم
بضائعها بالإحسان، أن يقدموا إلى ما يريدون من البلدان وأرض الله واسعة ما دام الزمان». بهذه اللهجة الشديدة يجابه ممثل "ميزاب" والي، الجزائر، ويهدده بالانسحاب من ميدان التجارة، ولاشك أن هذا الوالي وغيره من ولاة الدولة العثمانية في الجزائر ليسوا هم الذين دعوا الميزابيين إلى التجارة في الجزائر أو في غيرها من المدن؛ وَلَكنَّهم كانوا يعرفون الفرق في الحالة الاقتصادية الجزائرية ومداخيل الحكومة منها قبل أن يتولى الميزابيون وأهل "وارجلان"
1) يقول أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن: إن الدولة العثمانية لم تف للإباضية بما تعهدت به، وَلَمْ تؤمن السبل لهم ولا لغيرهم، فقد كانت مشغولة بمصارعة القرصنة على أمواج البحر الأبيض المتوسط، ولذلك فقد انصرف الإباضية عن وعودها، لهم واعتمدوا على أنفسهم واتخذوا وسائلهم الخاصة لحماية أنفسهم وأموالهم أثناء
أسفارهم المتوالية.