الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٢الإباضية في موكب التاريخ
248
الإباضية في الجزائر
تصريف التجارة فيها وبعد ذلك. ومعرفة الوالي بحقيقة ذلك دعته أن يتغاضى عن الخشونة والتحدي الظاهر في الرسالة رغم أن آذان الولاة في تلك العصور لم تتعود سماع الكلام الخشن، ولو كان حقا؛ ولأن الوالي يعرف أنه لو أغفل مطالب أولئك القوم، وترك لهم أن يخرجوا على تلك الصورة الغاضبة، فإن الاقتصاد الجزائري سوف ينهار أو رُبَّمَا يترنح فقط، وأن أسواقها سوف ترتبك. ولا شك أن مداخيل الدولة ترتبك من وراء ذلك عَلَى الأقل فترة ما حتّى يجد ذلك الاقتصاد الأيادي البديلة التي تمسكه وتسير به كما يعرفون أن التجار من "بني مصعب" وأهل "وَار جلان" الذين مهروا في التجارة، وعرفوا أدق أسرارها وأخفى أساليبها لا يلبثون أن يفتحوا لأنفسهم مجالات جديدة في أماكن جديدة، تدر عليهم أرباحا لا تقل عن الأولى، وترفع اقتصاد بلاد أخرى رُبَّما كان بين ولاتها وهؤلاء الولاة تحاسد ومنافسة، وإن كانت جميعًا ترتبط باسم الدولة العثمانية. ولذلك فقد تردد الوالي أمام لهجتهم المتحدية القاسية، ثُمَّ لان واستجاب لرغباتهم ووافق على مطالبهم.
على أن موقف الدولة التركية من الإباضية في الجزائر وفي غير الجزائر كان يبدو فيه كثير من التقدير والاحترام والتفهم ومحاولة الإنصاف، يَدُلُّ عَلَى ذلك تلك المجالس العلمية التي كان يعقدها ولاة الدولة التركية لمناقشة بعض المسائل والمشاكل والشكاوى، فيدعون إلى حضورها بعض علماء الإباضية المعروفين فيمن يدعى من علماء المذاهب الأخرى، وكذلك مجالس المناظرة والمناقشة في المسائل الخلافية بين المذاهب التي تثار هنا وهناك بطريقة تتيح الفرصة لكُلِّ أهل مذهب أن يكشفوا عن آراء مذهبهم بما لديهم من حجة وبيان. وقد كان العلامة أبو يعقوب يوسف بن مُحَمَّد المصعبي - في نظر الدولة التركية- يُمثل العالم والزعيم الإباضي في المغرب الإسلامي، ولذلك فقد كان طيلة عصره ممثلا لرأي الإباضيَّة في جميع المشاكل من هذا النوع التي أثيرت في الجزائر وتونس وليبيا، وكانت له في
ذلك مواقف مشرفة عند جميع الأطراف، وله في هذا الميدان رسائل وتقارير قيمة. كما أن الدولة التركية كانت تنظر إلى الإباضية نظرتها إلى أي فرقة إسلامية أخرى نظرة طبيعية مجردة نزيهة، لا عصيبة فيها، ولا ترفع ولا تحامل ولعل السبب في ذلك أن