الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٥الإباضية في موكب التاريخ
مطمئنا، في جو
251
الإباضية في الجزائر
يلجأ إليها كُلّ من يخشى الفتنة، أو يثور بين رجليه دخانها، فيفر إليها ليعيش هنالك آمنا كله دين وخلق وعلم وعمل صالح، لا تجد إليه السياسة طريقا، ولا البدعة مدخلا، ولا مكائد الناس والشيطان مروّجا، وكان كثير ممن يعيش في البلاد المضطربة يعد العدة للهجرة إليها، ويوصى بنيه بذلك؛ لأنها في نظرهم وفي الواقع تمثل موطن السلامة في الدين، وقد كانت مركزا علميًا واسع النطاق، ومنها امتد نور المعرفة إلى كثير من البلاد وتخرج فيها عدد غير قليل من العلماء الأعلام، وكان العباد والزهاد والصلحاء يؤمونها للعبادة فيقضون فيها أوقاتا ممتعه في مناجاة الله، ثُمَّ يعودون إلى قراهم وأحيائهم، وقد بلغت ذروة مجدها وعظمتها في هذه الناحية عندما اختارها أبو عبد الله مُحَمَّد بن بكر فاتخذها موطنا له ولطلابه. كان العالم الصالح معاذ بن أبي علي يسكن في أول أمره في قصر "بني وليل" الواقع جنوب "وادي" "أري "، وَلَكنَّه كان يُجشم نفسه مشقة السفر مَرَّةً في كُلِّ أسبوع، فكان يحضر إلى "آجلو" مساء كُلّ خميس من العبادة كالصلاة وتلاوة القرآن ومذاكرة فنون العلم، ويقضي صبيحة اليوم معهم مفيدًا ومستفيدًا، حَتَّى إذا صَلَّى الظهر وحضر دروس الوعظ التي يلقيها أكابر العلماء هناك، ثُمَّ صَلّى العصر، انصرف راجعا إلى قريته قصر "بني وليل". وَلَمَّا أرهقه التعب، وأضناه السفر، ونالت منه المشقة، ورأى أن الاستفادة مقصورة عليه ولا تنال أفراد أسرته الآخرين فكر في الانتقال، وهكذا أخذ معاذ أفراد أسرته وانتقل إلى "آجلو"، واستقر بها بين أهلها الكرام وأتيحت له الفرصة لكي يعيش في تلك المساجد والمجامع العلمية العامرة بالإيمان والمعرفة والعبادة، كما أتيح لولديه إبراهيم وعائشة أن يواصلا دراستهما، وأن يحضرا مجالس العلم على فطاحل العلماء، ومع أنجب الطلاب وأذكى التلاميذ. كانت أسرة معاذ أسرة دين وعلم وفضل، حَتَّى ضرب بهم المثل فقيل: "خير شيو "آجلو" معاذ، وخير فتيانها إبراهيم ولده، وخير نسائها عائشة بنته". وقد اشتهر معاذ بصفات يحقُّ له بها أن ينال احترام الناس وتقديرهم، فقد كان سخي النفس، سليم الصدر، بعيدا عن المزاحمة في أمور الدنيا، يُحِبُّ الخير للجميع، وماذا يريد الناس من أي إنسان أكثر من أن يكون صدره مفعما بالمحبة والعطف، يتسع لهم جميعا، وأن تكون