الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٦

الإباضية في موكب التاريخ

252

الإباضية في الجزائر

نفسه سخية تمتد لهم بالمساعدة والإحسان، وأن يتجاوز عن دنياهم ويتركها لهم لا يزاحمهم عليها، ولا يطالبهم بنصيبه فيها.

وقد كان لطيبة قلبه وحبه للناس وعدم اهتمامه بأمور نفسه يحسبه بعض الناس قليل الذكاء

قال أبو العباس الشماخي: «والشيخ معاذ رجل صالح زاهد تقي القلب محموله، ذو نية». وقد درست عائشة بنت معاذ على فطاحل العلماء في "آجلو" وبلغت درجة في العلم يعز على نظائرها بلوغها، فكانت تناقش كبار العلماء في أدق مسائل علم الكلام، وكانت كثيرا ما تلزم بعضهم الحجة، وتنتصر عليهم في ميدان الجدل والحوار، وكانت تذهب في آرائها ونظرياتها مذهب

التشدد والتضييق حتَّى أَنها كانت ترى أن من لا يعرف الصواب في مسائل الاجتهاد غير معذور. جمعها يوما مجلس مع الشيخ أبي مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد اللنتي وجرى بينهما نقاش في بعض مسائل العلم، فقالت له: "ما تقول فيمن أقر بالصلوات المفروضة إلا واحدة؟ فقال لها: هو منافق، ولا يحكم عليه بالشرك، فقالت له: أخطأت؛ بل يحكم عليه بالشرك". واستَتَابَتْهُ من قوله فتاب منه.

إن أبا مُحَمَّد اللني قد أقر لعائشة بما تريد، واستجاب لها حين طلبت منه التوبة إلا أن القضيَّة كانت ما تزال تشغل فكره، واجتمع ذات يوم بالعالمين الكبيرين أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر، وأبي هارون موسى بن علي فسألهما سؤال عائشة له فأجاباه بما أجابها هو به حين سألته، فحمد الله تعالى وأخبرهما بقصته مع بنت معاذ وتوبته لها عن قوله السابق، فأكد له الشيخان أن قولهم هو الصواب، وأن عائشة مُخطئة، وَأَنَّهُ ما كان يحق له أن يُجيبها فيتوب من الصواب إلى الخطأ .. وسارت الأيام بهذه القصة وكانت عائشة كثيرة الحركة جَمة النشاط، متقدة الحيوية ماضية في الدراسة، عاملة عَلَى الاتصال برجال العلم والإفادة والاستفادة منهم، حتى جمعها يوما مجلس مع أبي زكرياء يحيى بن أبي بكر فناقشته في كثير من مسائل علم الكلام وكان فيها وجهت إليه من الأسئلة ما يلي: هل يعذر الإنسان بجهله للصواب؟ فأجاب بأنه يعذر إذا اجتهد في مسائل الفروع وقالت: "لا يعذر".