الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٧الإباضية في موكب التاريخ
253
الإباضية في الجزائر
سألته عمن نسي رسولا فحسبه نبيًا بماذا يحكم عليه. فقال: "يحكم عليه بالنفاق"، قالت: "بل" هو مشرك"، فأجابها أبو زكرياء بلهجة فيها تأنيب بدعابة وإدلال بقسوة، وتعريف "ألست أنت التي استتبت أبا مُحَمَّد اللنتي يا كليفة؟ "، قالت: "بلي"، فعرفت هذه المسائل الثلاثة بمسائل الكليفة.
بحزم
درست عائشة علم الكلام على العلامة الكبير تبغورين بن عيسى الملشوطي، وكانت تفتخر به وبدراستها عليه وتعتبر أقواله حجة، فإذا جرى بينها وبين أحد نقاشا في قضيَّة من قضايا علم الكلام كان يكفيها حجة أن تقول: قال تبغورين بن عيسى الملشوطي: كذا وكذا .. "، وكان هذا في نظرها أبلغ حجة وأسطع برهان فلا تحتاج بعده إلى مزيد كلام، ومع احترامها لشيخها تبغورين وحبها له إِيَّاهُ واعتزازها بعده بدراستها عليه وتمسكها بأقواله وآرائه كانت تقول: رأيت كثيرًا من العلماء وأهل الخير واستمعت إلى عدد جم منهم واستفدت، ولولا أبو العباس أحمد بن أبي عبد الله بن بكر لَمتُ بالجهل". وذلك أَنها كانت تدرس عَلَى غيره من المشايخ في شبه، تخصص، تأخذ عن بعضهم علم اللغة والأدب، وتأخذ عن بعضهم علوم الشريعة والأصول، وتأخذ عن غيرهم علم الكلام، أو
علم المنطق، وغير ذلك من فروع الثقافة المعروفة في ذلك الحين ضمن التاريخ والرياضيات. أَمَّا أبو العباس أحمد بن مُحَمَّد بن بكر فقد كان دائرة معارف يجول في كُلّ ميدان، وكانت تهم
دروسه تشبه أن تكون مُحاضرات تلقى في جميع الفنون فكان المتفوقون من الطلاب يلذ سماعه والسباحة معه في الآفاق التي يسبح فيها، وكانت عائشة من أمهر السباحين في علوم الشريعة بمختلف فروعها، وفي علوم اللغة والأدب، وكانت ترى أن تعلم اللغة وآدابها وما تقوم
عليه من نحو وصرف واجب أكيد على المسلم حتَّى يستطيع فهم كتاب الله وسنة رسوله ال. كانت عائشة تمثل المرأة المسلمة المستنيرة التي تشارك الرجل في جميع الميادين الثقافية، دون أن تتخلى عن رسالتها كأم ترعى بيتا وترعى أولادا، وكزوجة تصون نفسها وبيتها، وترعى زوجها في نفسها وفي ماله وفي بيته وتوفر له وسائل الراحة والسعادة والاستقرار، ودون أن تلقي عنها ثوب الحياء والحشمة؛ فلم يعقها الحجاب، ولا الثوب السائر الفضفاض أن تناقش أذكى الطلاب، وأن تتفوق عليهم.