الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠١٨

الإباضية في موكب التاريخ

254

الإباضية في الجزائر

حفظت عائشة القرآن الكريم وهي صغيرة السن وتفتّح عقلها الذكي لمزيد من المعرفة

سن

وعندما كانت أشد ما تكون ظمأ إلى المزيد من المعرفة وإلى الاستقرار في الدراسة بلغت المراهقة، وتفتحت فيها براعم الجمال، وأشرقت عليها أنوار الشباب بعد غضارة الصبا وبراءة

الطفولة، وكان هذا التحول في شخصيتها من طفلة تلفها البراءة إلى صبية تطفو عليها مسحة الجمال المغرية سببا في تغير سلوكها، فقد لاحظت أن أعين الزملاء تنظر إليها نظرات تحمل معاني مَجهولة لَمْ تكن تُحس بِهَا من قبل، وأحست بجو جديد بينها وبين أسرتها، وهمسات عنها يحسبونها في غفلة، وفهمت ما كانوا يوشوشون به، وأدركت أنهم يفكرون في قطعها عن الدراسة، وعدم السماح لها بالذهاب إلى مجالس العلم، وهي على أبواب البلوغ، وقدرت أنه ستثور بينها وبين أهلها معركة حامية تكون فيها هي المغلوبة لا محالة إذا لم تعرف كيف تعد لنفسها أسباب النصر، وفكرت في قضيتها في هدوء تفكيرا سليما قبل أن يفكر أفراد أسرتها ومدرسوها بجد، وجاءت ذات يوم إلى أبيها تطلب منه أن يشتري لها حصيرًا من النوع الخفيف غير العريض، وطلبت من أمها أن تُحضر لها عباءة، ولما سألها والدها عن سبب هذا الطلب شرحت لهم وجهة نظرها فهي تريد أن تستمر في دراستها على مشايخها، وتريد أن لا ينشغل بها أحد وتنشغل به. ووافق الوالدان على الطلب، واستطاعت أن تضمن لنفسها الدراسة دون أن تثير عليها غضب أحد أو نقده، ودون أن تتبذل أو تستهتر، فكانت تذهب إلى المجامع العلمية متلفعة في عباءتها الساترة الحاجبة، فإذا بلغت المجلس جلست قريبا من شيخها، ثُمَّ أدارت على نفسها الحصير وتخففت في العباءة فكان شخصها مفصولا عن الحاضرين لا تراهم ولا يرونها، ولكنَّها كانت تستمع وتناقش وتكتب ما تشاء في حرية كاملة حتى بلغت ما بلغت واشتهرت بين رجال العلم معارفها وسعة اطلاعها، وفصاحتها، وأصبحت الأنظار متجهة إليها في احترام وتقدير لما حباها به من عقل وذكاء وفهم، ولما تتحلى به من دين متين، وخلق قويم، وعلم غزير. لقد كانت عائشة بنت معاذ في الجزائر مثل أم ماطوس في ليبيا، وقد أقامت هاتان المرأتان الحجة على المرأة المسلمة، وبرهنتا عَلَى أن الفتاة إذا شاءت فَإِنَّهَا تستطيع أن تبلغ أقصى ما يبلغه الرجال من المعرفة مع المحافظة على دينها وأخلاقها، وصيانة تامة لأسرتها وبيتها، ودأبها

الله