الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٠

الإباضية في موكب التاريخ

256

الإباضية في الجزائر

يميل إلى الحفظ والاستظهار ويتنافس ويتناقش هذا الصنف في عدد الكتب التي يحفظونها ويستظهرونها عن ظهر قلب، وقد يبلغ عدد ما يحفظه كُلّ منهم العشرات والمئات، وقد ذكر بعض المؤرخين أعدادا كبيرة من أولئك الطلاب الذين كانوا يستظهرون عشرات الكتب، بالإضافة إلى بعض أبيات ومقاطع الأدب.

من

كانت "تاجديت" خاصة بسكنى العلماء والطلاب تقريبا، ولذلك فقد كان يبدو عليها الجمال والنظافة وكانت مساجدها ومدارسها عامرة باستمرار وكانت تشبه أن تكون ركزا المناطق واسعة آهلة بالسكان يرجعون إليها في أوقات الصلوات، وربما أيضا مركزاً تجاريًا عامر الأسواق، وقد اعتاد سكان ضواحيها أن يأتوا إليها راكبين فيربطون دوابهم قريبا المسجد، فإذا استوت الصفوف وكبرت الجماعة تكبيرة الإحرام نفرت الدواب بسبب الدوي القوي الذي يُحدثة تكبير العدد الضخم من المصلين، وَلَعَلِّ أحسن ما يورد عنها هو الصورة التي وضعها لها المؤرخ الكبير أبو العباس الشماخي قال ما يلي: ويحضر الصلاة ثلاثمائة فارس، وإذا كبروا تكبيرة الإحرام نفرت المواشي، وهي قريبة من "آجلو" في الذي أعتقد، وهذا في زمان واحد ودخلها عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزابة وكثرة الخلق وضيق الموضع فاعتقد أنهم يدنسون وجه الأرض بالخلاء والسماد فدار فيها وحواليها، فلم يظفر بشيء مما تكرهه عينه، وتعافه نفسه، فقال وقد مد يده بسيفه: "ما يخاف الناس إلا من هذا

أو من الله"؛ فهذا (يعني: السيف) ليس هذا موضعه وما منعهم من ذلك إِلا خوف الله» (1). هذه الصورة التي عرضها علينا المؤرخ الكبير أبو العباس الشماخي، وهذه الملاحظة الدقيقة التي لاحظها العامل الصنهاجي إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى شيء واحد هو أن سكان هذه المدينة رغم كثرتهم وضيق مدينتهم كانوا يتأدبون بأدب الإسلام من المحافظة على النظافة والطهارة ظاهراً وباطنا، في أنفسهم وفي موطنهم بحرص واهتمام.

(1) السير، ص 488.