الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢١الإباضية في موكب التاريخ
257
الإباضية في الجزائر
وإنهم كانوا يحرصون على وسائل الصحة التي دعا الإسلام إليها، وحرص على مراعاتها قبل أن يستيقظ الطب الحديث، وقبل أن تستيقظ لها الحضارة الغربية فتأخذ منا لتبيعه لنا مصنعة في مناشير وتقارير.
إنه لغريب حقا أن تجول في مدينة أو قرية غاصة بالسكان في القرن الخامس الهجري، وتجول في شوارعها وحواليها فلا تقع عينك على قذر تشمئز منه نفسك أو ينفر منها طبعك، وقد يتيسر في ذلك الحين أن تجد شوارع قرية نظيفة، أما أن تجد الشوارع جميعا، وأن تجد أيضا ما حول القرية من النظافة بحيث لا ترى فيه ما تقذى منه العين من بقايا الكناسة، أو متناثر السماد الذي يخرجه أهل القرية ليرمى في مزارع بعيدة تستفيد منه الحقول، ولا يتأذى منه الناس .. لقد كان هذا الموقف النظيف حقاً غريباً في ذلك العصر وبوسائله، ولسنا نحن فقط نراه غرِيبًا وَإِنَّمَا سبقنا إلى ذلك، ذلك المعاصر الدقيق الملاحظة المرهف الإحساس الذي يفرق بين من يسير بهدي الله، ومن يسير بتلويحات السيوف وهمزات السياط. العلماء الذين عاشوا في هذه المدينة العلامة أبو الربيع سليمان بن عبد الله بن شاكر الفطناسي، قال شيخ الصحافة الجزائرية وأحد أركان نهضتها شيخنا أبو اليقظان -رحمه الله - ما يلي: «وكان من بين علمائهم أبو الربيع سليمان بن شاكر الفطناسي يحف حوله مائة عالم يشار إليهم بالبنان».
من
ونقل الإمام أبو إسحاق اطفيش -رحمه الله - عن الربيع في مقام الاحتجاج ما يلي: «ومثل هذا ما ذكر سليمان بن عبد الله بن شاكر الفطناسي المزاتي قال: أدركنا في "فطناسة" وكانت قبيلة قليلة العدد من مزاتة اثني عشر مسجدا كلها عامرة بالآذان والجماعات والمجالس، أي: مجالس العلم». عاش هذا العالم الكبير في القرن الخامس الهجري ونقلت عنه الرواية سنة 467 هـ حسبما قاله الإمام أبو إسحاق –رحمه الله-. كان أبو الربيع الفطناسي من أولئك العلماء الأشداء في دين الله القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يعرفون المسايرة في دين الله يقفون مع الْحَقِّ حيث وقف، ويصدعون