الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٢الإباضية في موكب التاريخ
258
الإباضية في الجزائر
بآرائهم لا يبالون رضي الناس أم سخطوا، فإذا تبين لهم خطأ في قولهم أو في عملهم لم يتمادوا
المسجد
في الضلال، وسارعوا إلى التوبة، ورجعوا عن الخطأ إلى الصواب غير مبالين بالناس وأقوالهم. قرر أبو الربيع أن يقوم بجولة يزور فيها أهل الدعوة ويتفقد أحوالهم، فخرج من بلده "تاجديت" يتنقل من بلد إلى بلد، يطلع على الأحوال، ويدرس الأوضاع، ويفيد ويستفيد، فاستغرقت الرحلة منه وقتا غير قصير، ولما رجع إلى بلده "تاجديت" وجد أن أهل البلد قد عمدوا إلى أرض مشاع بين أهل المدينة فغرسوها وعمروها، واستغلوها بأنواع من النخيل والأشجار فعاب عليهم ذلك، وانتقد سلوكهم وتصرفهم في المشاع كما يتصرفون في أملاكهم الخاصة، ووقف على باب يصيح فيهم بصوته الداوي: "ما هذا الحدث الذي أحدثتموه"، وكان في داخل المسجد العلامة أيوب بن أبي عمران فأجابه من الداخل بأن عملهم ذلك جائز، وَأَنَّهُ لا يصطدم بشريعة الله، وكان في المسجد أيضا العلامة أبو يعقوب يوسف بن يعقوب فاتجه إليه أبو الربيع، وقال له: "ما حفظت يا يوسف في هَذه عن شيخك وارسفلاس بن مهدي النفوسي؟ "، قال أبو يعقوب: "إن اتفق أهل المشاع عَلَى غرسه جاز، وتجرى عليه أحكام الملك، كلها، وإن عاد خرابا رجع إلى المشاع"، فاقتنع أبو الربيع بما ذهب إليه أولئك العلماء وأفتوا به، وأقلع عـ إنكاره، واعتذر عن موقفه من إخوانه، وشدة إنكاره عليهم. هذا كان دأب أولئك السلف الصالحين، يتمسك أحدهم بما يراه الْحَقِّ، ويتشدد فيه ويدعو إليه ويدور معه حيثما دار، ولا يأنف أحدهم أو يتكبر عن الرجوع عن رأي أو قول به إذا عرف أن الْحَقَّ في غيره، فرحم الله أولئك الناس الذين كانوا يطلبون الْحَقَّ، وَالْحَقِّ فقط أينما
المسألة.
كان وكيفما كان، ومهما كانت نتائج الطلب.