الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٧الإباضية في موكب التاريخ
263
الإباضية في الجزائر
تسبقهم دعوات مبشرة، أو تنفق عليهم أموال لا حساب لها، وَلَعَلّ النور الذي يومض اليوم في أمكنة كثيرة من أفريقيا السوداء إنَّمَا كان أكثره قبسات حملها أفراد مؤمنون عن طريق وار جلان"، أو ما شابهها من المدن الصحراوية التي تعتبر ثغوراً أو منافذ إلى جهات الصحراء وما وراء الصحراء، أَمَّا من الناحية العمرانية فقد كنت أرسم لها في مخيلتي صورة لبلدة مبنية بالطوب في منخفض من الأرض تكتنفها رمال أو هضاب كالذي أعرفه من "غدامس" أو بعض الواحات الأخرى، ولكن الحقيقة فاجأتني بغير ذلك، فلقد وضحت أمام عيني وأنا مقبل عَلَى وَارجُلان" مدينة عظيمة فسيحة مستبحرة العمران متسعة الأرجاء تتلالاً فيها أنوار الكهرباء، ويُحيط بها إطار أخضر من النخل الباسق الذي بدأ يؤتي أكله في ذلك الحين. ومنذ تراءت لي مشارف "وار جلان" العظيمة خيل إليَّ أَنَّني رحلت عبر عصور طويلة من التاريخ، وأنني أعيش هذه اللحظات في "وار جلان" القديمة وتلاشت من ذهني صور الحاضر بما فيه من حركة وحياة، فكنت كالمأخوذ لا أحس بمن معي من الرفاق، ولا أحس بالزمن الذي أنا فيه، ولا بالوضع الذي أنا فيه، وطغت عَلَيَّ المشاعر والأحاسيس بالماضي، وغلب علي الحنين إليه، ذلك الماضي المجيد الذي عشت فيه في كتب التاريخ بين رجال الدين والعلم والعمل، أحضر بعض اجتماعاتهم ومناقشاتهم، وحتى مآدبهم وأساليبهم في الإحسان والمعروف. استقبلنا الإخوان الأعزاء والأصدقاء الكرام من أهل "وَار جلان" الأفاضل وهم يسلمون علي، ويحتفلون بي ويهيئون لي المقام الكريم في صدر المجلس من المسجد العامر، وأقسم أني ما كنت أحس بشيء مما حولي، وحين جلست في صدر المجلس وطلب إليَّ أن ألقي موعظة على الجمع المنتظر المتعطش إلى سماع صوت أبناء الجبل، كنت أتمنّى بِكُلِّ قلبي أن يتولى ذلك عني أي شخص آخر، وأن أترك لأستسلم لخواطري، وتكلمت ولكنني حتى الآن لا أذكر أنني
تقدمت إلى الحديث دون أن أدري ما أقول أو ما قلت مثل ما وقع لي في ذلك المقام الكريم. لقد كنت أتحدث دون أن أستطيع حصر فكري في موضوع، كما يتحدث تلميذ صغير في تجربة أولى بين جمع رهيب من أساتذته الكبار، ومشايخه الذين يحترمهم ويخشاهم، وما كنت وأنا أتحدث أحس بالحاضرين، وَإِنَّمَا كان يُخيل إليَّ أَنَّني أتكلم في جموع حافلة من عباقرة العلم طيلة أجيال، وكان الوهم يصور لي بينها صوراً متناثرة من هنا وهناك لبعض أولئك