الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٨الإباضية في موكب التاريخ
264
الإباضية في الجزائر
الأفذاذ في صورة حقيقية، فيضع بين عيني في ذلك المجلس الوقور صورة لأبي صالح أو لأبي يوسف بن أفلح، أو لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم، أو لأبي صالح جنون أو لأبي رحمة أو لغيرهم مِمَّن ترك في نفسي أثرًا حين قراءتي عنه ودراستي لحياته.
فكنت في ذلك المجلس مهتاج العواطف، مضطرب الفكر متباين الأحاسيس، خشيان خجلان، وكانت شفتاي تنفرجان عن كلمات باهتة خافتة كأنها تخرج ميتة، ولست أدري كيف بدأت الحديث ولا كيف أنهيته، وقمنا إلى الصلاة ثُمَّ ذهبنا إلى تناول العشاء في بيت من بيوت بعض الأصدقاء، وبعد سهر خفيف اوى الإخوان إلى مضاجعهم. أما أنا فقد عملت تلك الخواطر في نفسي عملها، فأرقت وَلَمْ يغمض لي جفن طوال الليل، وبعد صلاة الصبح ذهبنا مبكرين لزيارة جبل العُبَّاد"، وكنت أتحرَّك مع الإخوان والأصدقاء كما يتحرك إنسان مسلوب الإرادة لا يقوى على شيء، وقصدنا جبل العباد، ورغم أن هذا الجبل لم يكن شاهق الارتفاع، وأن ما تعودت صعوده من جبال "نفوسة" قد تفوقه ثلاث مرات أو أربع؛ إلا أنه بدا لي شاهقاً شديد الارتفاع لا يمكن أن أبلغ إلى قمته، وكان الإخوان من حولي يتنازون (1) صاعدين، بينما كنت أنا أتسلق الجبل في مشقة وعسر، وكأن على عاتقي أحمالا ثقالا من الماضي السحيق، وكانت نفسي مشحونة بالخواطر التي تتعاقب تُحدثني بأن الرجال العظام الذين كانوا يعيشون هنا كما يفوقونني روحيا يفوقونني ماديا، وأَنَّهُ كما لا يحق لي أن أتطلع إلى مراتبهم السامقة في ميادين العلم والعبادة والإحسان كذلك لا يحق لي أن أتطلع إلى هاتيك الأماكن السامقة التي اختاروها في خلواتهم، للأتصال بخالقهم في مناجاتهم الخاشعة، وخيل إلي اني بزيارتي لهذه الأماكن كأنني أنتهك حرمة مقدسة دون استئذان.
وعملت هذه الخواطر في نفسي عواملها، بالإضافة إلى أرق الليلة السابقة، وإلى سهر متواصل لعدة ليال وأسفار متتابعة؛ فأصبت بنوبة قلبية سببها مرض الربو الذي يلازمني زمنًا، فكاد نياط قلبي يتقطع، وانقطع عني التنفس، واشتدَّ خفقان قلبي وتصبب مني العرق، وأصبحت في حالة من التعب والإعياء لا أملك معها حركة ولا أستطيع كلمة، فأحاط
بي
(1) من النزو: وهو الوثبان. انظر: العين، (نزو).