الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٢٩

الإباضية في موكب التاريخ

265

الإباضية في الجزائر

خارج

فأحجمت

الإخوان يُخفّفون عَنِّي ويساعدونني ويتلطفون بي حَتَّى بلغت المكان الذي اختاره علماء وار جلان" و"سدراته" الصالحون لإحياء الليل، ومناجاة خالق الخلق، عندما يسكن الناس ويغفو الكون، ويسود السبات عَلَى الحياة، فيكونون هم فقط هنالك يناجون خالق الخلق، وقد رقت نفوسهم، وتخلصت من شوائب الدنيا وعلاقاتها. استدار الإخوان في المسجد (1) لتلاوة ما يتيسر من كتاب الله، وكنت أتمنى لو تركوني المسجد، ولكن الإخوان أصروا أن أكون من بينهم وبقيت في المسجد صامتا، إذ كنت في حالة من التعب لا أستطيع معها القراءة، وعندما اختتموا أداروا الدعاء وجاء دوري عن الدعاء .. أحجمت لأن الخواطر بدأت من جديد تهجس في نفسي، بأي حق أدعو في هذا الحرم المقدس الذي دخلته دون أن أستأذن أصحابه؟ وما يدريني هل كان أولئك العمالقة العظام يرضون عن هؤلاء الأقزام وهم يقتحمون عليهم خلوتهم لمناجاة ربِّهم! إن أمكنة العبادة المشتركة والتي يَحقُّ لِكُلِّ مسلم أن يدخلها وأن يعبد الله فيها متى شاء وكيف شاء إِنَّمَا المساجد المقامة للجميع؛ أمَّا هَذه الأماكن الخاصة التي يتكبدون مشاقا وتعباً غير قليل ليكونوا فيها على خلوة إنَّما هي ملك خاص لهم، وحرم مقدس لا يجوز انتهاكه، ومن أن يتخذ لنفسه خلوة يأوي فيها إلى الله شاء أن يقتدي بهم شاء. متى قمنا بعد ذلك لنَزُور أطلال سدراته"، تلك المدينة العظيمة التي كانت لها شهرة في العلـ والدين لا تقل عن شهرة وارجلان، واشتهرت اليوم بأنها تحمل آثار حضارة إسلامية شبيهة بما تركه المسلمون في الأندلس، وقصدها علماء الآثار من أوربا وقاموا فيها بأبحاث وحفريات لم تذهب سدى.

هي

كان الإخوان ينظرون إليها كمدينة أثرية يعجبون لما يجدون فيها من دلائل الاهتمام بالبناء والزخرفة، أما أنا فكنت أنظر إليها من زاوية أخرى، ونزلنا من "جبل العباد" وسرنا حتى بلغنا منبسطاً من الأرض، تتعرج فيه ألوية من الرمال تغمر كُلّ شيء، وقالوا: "ها هنا

(1) ليس في المكان بناء، وإنما أطلقت عليه كلمة المسجد؛ لأنه الموضع الذي اختاره أولئك الصلحاء، وكانت الصلاة هي أعظم وأكثر ما يتقربون به إلى الله، ولكن فرادى؛ لأنها تطوع، ويرى الزائر هناك ما لا يدخل تحت حصر من المحاريب على الأرض حيث يقف كُل واحد منهم