الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٠

الإباضية في موكب التاريخ

266

الإباضية في الجزائر

11

كانت مدينة "سدراته العظيمة". قلت في نفسي: نعم، إِنَّه أنسب مكان تقوم فيه مدينة

إباضيَّة تبلغ القمة في العمل الله.

من

البناء

سرنا فيها غير قليل حَتَّى بلغنا بعض ربوات صغيرة ظهرت عليها آثار بسيطة هنا تبدأ الآثار العمرانية لهذه المدينة الخالدة، قلت في نفسي: وهذه الآثار البسيطة

قالوا: ومن

من الاحتفال بالبناء قد تكون من آثار أولئك الأجداد العظام.

العصور،

وسرنا قليلا فوجدنا آثاراً فيها نقوش واحتفال بالزخرفة واهتمام بالعمران وطول الحياة والبقاء، وكان الإخوان فرحين بعثورهم عَلَى هَذه الآثار الدالة على الحضارة، والتقدم في تلك أَمَّا أنا فقدت كانت تقوم في نفسي معر كة حامية من دلالة هذه الآثار؛ لأن تلك المعاني التي يفرح لها الأصدقاء والتي بها هذه الآثار هي أبعد ما يمكن أن أتصوره لأصحابنا في تاريخهم المجيد الطويل، وكنت أقول في نفسي: إن هذه الآثار التي يبدو عليها الاحتفال بالفن والاهتمام بالعمران - والعمل للبقاء والتشبث بالخلود في الدنيا - لا تكون أبدا لأصحابنا، إِنَّهَا بِكُلِّ تأكيد ليست من عمل الإباضيَّة .. إما أن تكون سبقتهم، وَإِما أن تكون لغيرهم ممن كان يعيش بينهم في عهود الرخاء والازدهار. إن الإباضية في تاريخهم الطويل في المغرب الإسلامي لَمْ يَحفلوا بهذه النظرة الدنيوية التي ينظر إليها الناس، ولَم يأخذوا في حسابهم أبدا أن يبنوا للبقاء، أو يشيدوا للخلود، ولا أن يزخرفوا للجمال، ويشتغلوا للفن؛ لأنّ كُلّ ذلك في نظرهم عبء يتنزه عنه المؤمنون، والتماس الخلود في الدنيا يبتعد عنه من يعملون للآخرة وللقاء ربهم ينتظرون:

ولو كان في الزخرفة والاحتفال بالمباني الشاهقة، وبذل الجهود المضنية لإقامتها خير ما عابها الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم على الأمم السابقة مثل قوله تعالى لعاد قوم هود ال: أتبنون بكل ربع آية تعبثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَاعَ لَعَلَّكُمْ تَحْدُونَ * وَإِذَا بَطَعْتُمْ بَطَتُم جبارين) وفي أمثالها، فكأَنَّما الإباضيَّة في المغرب الإسلامي كانوا يخشون أن ينالهم طرف من هذا الوعيد، فكانوا أبعد الناس عن الاهتمام بمظاهر الحضارة الصناعية، اللهم إلا في جانب واحد من الحياة، ذلك أنهم

1) سورة الشعراء: 128 - 130.