الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٣الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
اعتصام الإباضية بالدين
لقد أشرت إلى بعض الأصول العملية التي يمتاز بها الإباضيَّة، ويعتمدونها في مذهبهم، ويحسن بي الآن أن أعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية، وإلى أثره في مجرى تاريخها، وإلى مسلك أتباعه للأصول التي أصلوها، والقواعد التي دونوها، والمبادئ التي ساروا عليها في جميع عصور التاريخ، طبقًا لمسالك الدين التي سبق عنها الحديث. وليس من الدعوى أو التبجح أن أقول: إن الإباضية من أوَّل الفرق الإسلامية التي تحرص ألا يتخطى أفرادها الحدود التي رسمها لهم الدين، وأن يكون المسلم منها صورة صحيحة حقيقية لما رسمه الإسلام، وأوضحته سيرة السلف الصالحين، وليس معنى هذا أنه لا تقع معصية من إباضي، فإن هذا ليس من طبع البشر، وَإِنَّمَا المقصود أنه عندما يرتكب أحدهم معصية، فَإِمَّا أن تكون مما يعلمه الناس، أو مِمَّا يلم به الفرد مستترا حين يغلبه الشيطان؛ فإذا كان الخطأ من النوع الأول بادر المسلمون إلى إعلان البراءة منه، وقطع التعامل معه، والجفوة عليه حَتَّى من أقاربه وأهله حتّى يعترف بما ارتكب على الأشهاد، ويعلن توبته إلى ربه ورجوعه إليه، ويعاهد الله ألا يعود، وهكذا يرجع العاصي إلى حظيرة الأمة، وتطهر من أرجاس المعصية، ليعاود الكفاح في سبيل الله، والعمل الخير وقد تطهر والدعوة إليه ويحيا حياة نظيفة في مجتمع نظيف.
أما إذا كان من القسم الثاني أي من الأخطاء التي يلم بها الإنسان مستترا فإن ذلك يجعله يسير
الله
مع الركب في الظاهر، على أن ضميره لا يكف عن التوبيخ وهو يعتقد أنه «ليس فيما يعصى به صغير» كما قال ترجمان القرآن الله، وأن من ورد على ربه بهذه الحالة سيكون من أصحاب النار خالدا فيها أبدا، وفي ذلك زجر له عما ارتكب، وداع إلى الإقلاع عما ألم به من وساوس الشيطان، والذي يدعو أتباع هذا المذهب إلى هذا التمسك الحريص أفرادا وجماعات، إنما هو بعض القواعد التي يمتاز بها هذا المذهب عن غيره من المذاهب كوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على الفرد المسلم، والمجتمع الإسلامي، وتطبيق ذلك في مسألة الولاية والبراءة