الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٤الإباضية في موكب التاريخ
102
نشأة المذهب الإباض
والوقوف، وكالقاعدة الأخرى الهامة التي تجعل الإيمان لا يتم إلا بالعمل، فلا يجد العاصي مستندًا يستند عليه بينه وبين نفسه، أو بينه وبين الناس، ولا يحق له أن يطمع في دخول الجنَّة بقول لا إله إلا الله مُحَمَّد رسول الله، دون أن يقرن ذلك بالعمل الصالح، كما لا يحق له أن يأمل في الخروج من العذاب الأليم، وقد قدم على ربه مرتكسا في عمله، مرتهنا بذنبه: بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةٌ
(1)
وأحاطت به خطيبته فأولكَ أَصْحَابُ النارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وقال لا تختصمو الدَي وَقَدْ قَدَّمَتْ إِلَيْكُم بِالوعيد *
مَا بَدَل الولادي وَمَا أَنا ظَلام السيد، وبناء على هذه الأسس التي يراها الإباضية من قواعد الدين كانت أعمالهم صوراً حقيقية لمبادئهم وعقائدهم.
وقد اشتهروا بذلك على مدى التاريخ، وعرفوا به؛ فكانوا في مجتمعهم وأفرادهم أمثلة للمؤمنين الذين يحافظون على دين الله في واجباته وآدابه وجميع الأخلاق التي دعا إليها، ويبتعدون عن كُلّ ما نهى الإسلام عنه أو كرهه من قول وعمل، يسارعون إلى الخيرات، ويبتعدون عن المحرمات، ويقفون عند الشبهات، مصداقا لقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: كُنَّا نَدَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَن نَقَعَ فِي الْحَرَامِ». وإذا كانت هذه الصورة الصادقة لما عليه الإباضية منذ أوَّل التاريخ إلى اليوم، فإنَّه من الْحَقِّ المؤلم أن أعترف أن الإباضية في ليبيا بدأوا ينحرفون من حيث العمل عن هذا السبيل
القويم الذي سار عليه أسلافهم، وحافظ عليه أجدادهم حفاظ المؤمنين المخلصين لدين الله. بدأ هذا الانحراف عن السبيل القويم منذ اشتعلت نار الفتنة بين المسلمين في حرب إيطاليا بسبب ما دسته من مكائد بين الأخوة، وتسليط بعضهم على بعض، وإمدادها لكل فريق بالمال والسلاح سرا وعلانية ليشتد التراع، وتنشق العصا، وتفترق الأمة على نفسها، فيهون عليها احتلال البلاد، وامتلاك العباد.
ومنذ ذلك الحين ظهر في المجتمع الإباضي من يرتكب المعصية جهارًا، ويخون أمانة الله نَهارا، فيشرب الخمر التي حرم الله، أو يغش في البيع والشراء ليكتسب مالا، أو يستهين بحدود الله
1) سورة البقرة: 81
(2) سورة ق 28 29