الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٣الإباضية في موكب التاريخ
269
الإباضية في الجزائر
" وارجلان"
لقد كانت "وار جلان" في عصور طويلة عاصمة للإباضية بكل الاعتبارات، وقد كتب عنها جمع من المؤرخين الذين تحدثوا عن المغرب الإسلامي في كل فترات تاريخه، وتناولها كُلّ واحد منهم من الزاوية التي ينظر منها، وكانت من العظمة بحيث يجد كل ناظر صورا جميلة للعرض، وَكُلُّ متحدث ميدانا فسيحا للحديث، ويسرني في هذا الفصل أن أدع المجال للمؤرخ الكبير الشيخ إبراهيم بن صالح أعزام -رحمه الله - صاحب كتاب «غصن البان في
تاريخ وارجلان» يضع لنا إطارا نعرض في داخله صورا من تاريخ هذا البلد العظيم. قال الشيخ أعزام: "هذا الوطن من الأوطان القديمة، يحقُّ أن يكون له تاريخ عظيم مكتوب بحروف من نور على صفحات قلوب أبنائه، وكيف لا وهو من فاتح القرن الثاني وطن إسلامي علمي، أثبت كثيرًا من فحول العلماء وأعاظم الرجال، حتَّى أن الإنسان لا يمر بشارع أو طريق هذا قبر الشيخ فلان، أو مسجد العلامة فلان أو محضرة العالم الفلاني … إلى غير
إلا ويسمع. ذلك من الألقاب الشريفة، والشاهد على ذلك العيان، وليس بعد العيان بيان.
ومن يرد تحقيق هذا الخبر يصل إلى بلادنا وينظر" ويقول بعد أسطر: "وكان فيه من الخزائن المملوءة بالمجلدات (1)، والأسفار الضخمة في الفنون المختلفة من تاريخ وفقه وحكم وتفسير وغير ذلك من العلوم العقلية؛ ولكن الفتن العمياء أعدمتها حرقًا وتمزيقا، وَلَمْ تبق منها بقية، وحتى أن الإنسان مهما بحث أشدَّ البحث لا يجد ولو أقل قليل من تلك الأسفار إلا بعض وريقات لا تفي بالمقصود". ويتحدث الأستاذ أعزام عن "سدراته" فيقول: "بلاد" سدراته" منسوبة إلى شعب من شعوب البربر من بطون زناتة، وهي بلاد كثيرة يسكنها معتنقو المذهب الإباضي قديما، وَلَمْ يَنْزحوا عنها إلا بعدما خربها يحيى بن إسحاق الميورقي المعروف بابن غانية سنة 624 هـ عند ثورته على الأمير يعقوب بن المنصور أحد أمراء الموحدين كما كان بيان ذلك في محله، وبقيت البلاد إلى الآن خرابا".
(1) قال أعزام: "وجدت رسالة مبعثرة قديمة عن تاريخ سدراته ووارجلان اكتشفها باحث إفرنجي ولم يسعد الحظ بالحصول عليها حتى الآن".