الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٧

الإباضية في موكب التاريخ

273

الإباضية في الجزائر

وافاه عاصم عَلَى رأس جيش من أبطال سدراته و وارجلان (1) وكان حكام القيروان يعرفون ما يتحلى به عاصم من الشجاعة والقوة وحسن التدبير، فعملوا على قتله بحيلة ذكرتها كتب التاريخ، ومات البطل العظيم قبل نتائج المعركة، وقد أسفرت عَلَى انتصار أبي حاتم، ورجع أولئك الأبطال الذين جاءوا تحت قيادة عاصم منتصرين، ولكن دون أن يرجع معهم عاصم. وَلَمْ تطل إمامة أبي حاتم فقد تمكن العباسيون من التغلب عليه وقتله، بعد هذه الأحداث سلك الإباضية في "وَارجُلاَن" نفس المسلك الذي سلكه الإباضية من أهل "جربة"، فقد انعزلوا عن الحركات السياسية والثورات العسكرية، لا ينضمون إلى دولة، ولا يناصرون أحد المتخاصمين، ولا يساعدون الثوار، ولا الدول القائمة؛ ولكنَّهم كانوا يلتزمون الإسلام في سيرتهم، وينفذون أحكامه على أفرادهم ومجتمعهم، وعندما تكونت الدولة الرستمية في تاهرت، وامتد سلطانها عَلَى أغلب بلاد الجزائر وتونس وليبيا دخلت "وارجلان" في هدوء تحت جناح هذه الدولة الجديدة.

وَلَمَّا كانت الدولة الرستمية تسير على نهج الخلافة الرشيدة، وتعمل على تطبيق أحكام الإسلام، وتتقيد بها، فقد كانت البلاد التابعة لها تتمتع بكُلِّ أنواع الحرية والعدالة والاستقرار التي كلفها الإسلام، وكان نفوذ الدولة عليها نفوذاً اسميًّا لا يتعدى إقامة حدود الله على من يخرج عنه، والفصل بكتاب الله فيما ينجم من خلافات بين الناس، أما في غير ذلك فقد كانت ترك لأهل البلاد أن يعيشوا كما يحلو لهم، فهم أحرار في معاملاتهم وتجاراتهم وجميع أعمالهم، ما دامت لا تجري عَلَى أسلوب من الأساليب المحرمة، أو في نوع من الأنواع المحرمة، وكان الناس حينئذ أشد إيمانًا من أن يخالفوا أحكام الإسلام في معاملة أو تجارة مخالفة صريحة واضحة. وكانت الدولة الرستمية لا تُجبر أهل وار جلان" ولا غيرهم على التجنيد الإجباري، فهي لم تتخذ جنداً مقيما له المرتبات والأجور ليبقى تحت السلاح باستمرار استعدادًا لهجوم أو دفاع، ولا تعتمد على ذلك الجند الذي يحارب من أجل المال ووسائل العيش، وإنما كانت تعتمد على

1) ذكرت "وارجلان" هنا استنتاجا فقط، فلست على يقين من أن أهل وارجلان" بمخططها الواسع قد اشتركوا في جيش أبي حاتم.