الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٣٨الإباضية في موكب التاريخ
274
الإباضية في الجزائر
التطوع، وعلى أولئك الذين يحملهم إيمانهم على محاربة المعتدين والدفاع عن حوزة الإمامة
رغبة فيما عند الله، لا أملا في الحصول على غنيمة، أو سعيا وراء نيل مرتب من الدولة. إن الدولة الرستُميَّة لَمْ تكن تدفع مرتبات للجند، كما أنها كانت لا تجيز لنفسها، ولا لمن يعمل تحت حكمها أن يستحل شيئًا من أموال المسلمين ولو كانوا بغاة ظالمين معتدين. عاشت "وَارجُلان" في هدوء وسلام مدة الدولة الرستُميَّة، وَكُلُّ ما يربطها بهذه الدولة من علاقة إِنَّما هو اعترافها بالتبعية لها، وإقامة الحدود، وإصدار الأحكام باسمها، والرجوع في مهام الأمور إليها. علاقة الدولة الرستمية بجميع البلاد التابعة لها، فلم تكن تبغي غير ذلك، ولا
وتلك هي
يهمها إلا أن يعيش المسلمون أحراراً، يتمتعون بكُلِّ ما يكفله لهم دينهم ما يكفله لهم دينهم الذي ارتضاه الله لهم. وقد كانت الدولة الرسمية لا تفرض ضرائب ولا تصادر أموالا، ولا تأخذ غرامات من أحد، وَإِنَّمَا كانت تجمع أموال الزكاة على النهج الإسلامي الذي سار عليه الخلفاء الراشدون، والمهتدون بهم من بعدهم، وقد كانت لا تأخذ من "وَارجُلان" شيئًا، وَإِنَّمَا كان عمال الدولة من خيرة العلماء يجمعون الزكاة من أغنياء البلاد ويردونها في فقرائهم حسبما هو معروف في النظم الإسلامية.
ولهذه الحرية الكاملة التي كانت تتمتع بها "وار جلان" وبقية البلاد التابعة للدولة الرستمية لم يدرك بعض المؤرخين العلاقة، وأعتقد أن حكمها لَمْ يَمتد إلى تلك النواحي؛ لأنه لم يجد له الصدى الذي يجده غالبًا لغيرها من الدول.
ويسرني أن أختتم هذا الفصل بهَذه الصورة الرائعة التي صور بها الأستاذ أعزام هذه الفترة من تاريخ "وار جلان" الحافل قال -رحمه الله -: "إن هذه البلاد في سنة (151 هـ/ 830 م)) إلى سنة (450 هـ / 1039 م عامرة بالإباضية كما قدمنا، ولا اختلاط معهم من الأجناس الأخرى (2)، وشؤونهم بأيديهم، وَكُلُّ واحد رئيس عَلَى عائلته ومنكب على أشغاله ومهماته،
1) لا يقصد المؤلف التحديد الدقيق بهذه السنة.
(2) يقصد المؤلف المذاهب.