الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٥الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضـ
ليجامل أعداء الله .. بل أدهى من ذلك وأمر أنه وجد فيهم من يترك الصلاة، أو يمتنع عن الزكاة فيخل بإحدى الواجبات وهو يدعي الإسلام وينتمي في زعمه إلى أتباع عبد الله بن أباض؛ فإذا جئت لتنهاه عن هذا المنكر أجابك في غير مبالاة إن مذهب الإباضية مذهب شديد، وَأَنَّهُ سَمع أن غيره من المذاهب لا يغلقون أبواب الجنَّة في أوجه العصاة، كأَنما أصبحت أبواب الجنة وأبواب الجحيم في أيدي الناس يغلقونها متى شاؤوا، ويفتحونها لمن شاؤوا.
الله
في هذا الحين الذي أذكر فيه هذه الحقائق المؤسفة المؤلمة وأنا ألجأ إليه تعالى أن يهدى قومي فَإِنَّهُم لا يعلمون، أذكر لهم بِكُلِّ فخر واعتزاز أن علماء الإسلام اليوم يدعون إلى دين على هذا المذهب، فكأنما يستقون من أصوله وقواعده، ولا غرابة في كُلّ ذلك، فإن روح كُل مسلم يغار على دينه، ويدعو إلى كتاب ربه يجد نفسه قريباً من هذا المذهب؛ لأنه يستقي من النبع الصافي الذي استقى منه وحافظ عليه.
فتنة
ولو أن المسلمين في جميع الأقطار حرصوا أن يكونوا صورًا حية للإسلام كما كان الإِبَاضِيَّة لما وجد أعداؤهم بينهم مدخلا، ولا بين صفوفهم طريقا. إن الاستعمار والظلم والطغيان لم يستطع أن يتغلب على المسلمين إلا حينما بذر بينهم المال والمتعة الحرام، وأشاع بينهم الفاحشة والمنكر، وسهل عليهم الإعراض عن حكم الله إلى حكم الإنسان، وقطع العلاقة بين الفرد والمجتمع، فأعطى للفرد حق الحرية في ارتكاب ما يشاء مما حرم الله.
ولو أن المجتمع بقي مهيمنا على سلوك الفرد، فلا يستطع إنسان يدعي الإسلام أن يجد ما خوراً، أو يرتكب زنى، ولا يستطيع مسلم أن يجد في بلد مسلم حانة، أو يشرب خمراً. ولا يستطيع إنسان يدَّعي الإسلام أن يجد مقمرة، أو يلعب قمارا، ولا يستطيع مسلم في مجتمع إسلامي أن يجد ما يساعده على ارتكاب مُحرَّم أو يخالف سيرة من سير المسلمين، أو أخلاق المؤمنين؛ لأن الْمُجتمع سوف يقف له بالمرصاد، ويحاسبه على ما ترك أو
خلقا
من
قدم حتى يعود إلى الطريق الأمثل، والصراط الأقوم، والسبيل السوي. لو أن المجتمع الإسلامي بقي مهيمنا على سلوك الفرد كما كان ذلك في صدر الإسلام، وكما بقي عند الإباضية إلى اليوم، لما شدّ المسلمون عن الإسلام، ولما بعدوا عن كتاب الله،