الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤١الإباضية في موكب التاريخ
277
الإباضية في الجزائر
والتي شجعها بني هلال وبني سليم أن تسلك نفس المسلك للحصول على المال؛ إما متفقة ومنسجمة معها، أو معارضة ومناقضة لها، أو منفردة. وتكاثرت تلك الأحياء الضاربة في الوديان
والبوادي، والتي كانت تقوم بأعمال العدوان للسلب والغنيمة على أحد الأسلوبين الآتيين: فقد تكون جموعا من المحاربين الأشداء تحت رئاسة بعض شيوخ القبائل وفرسانهم، ثم يهجمون على حين غرة على بعض المدن أو القرى أو الأحياء الأخرى، يقتلون من يعترض سبيلهم، ويغنمون ما تصل إليه أيديهم. ثُمَّ.
يركبون جيادهم، ويعودون إلى أحيائهم، وهم يفخرون بما أظهروا من صبر وثبات في القتال، وما قتلوا من رجال وما غنموا من متاع وسلبوا من أموال.
وقد يعدون مجموعات من أولئك المحاربين فيعترضون الطرق، ويستولون على القوافل التي
تنقل البضائع من مكان إلى مكان فيأخذون ما عندهم لأنفسهم غنيمة باردة.
ولا شك أن هذه الأحياء البادية التي تعيش هذه العيشة إنما تسعى إلى كسب المال من جهة وإلى التغني بالبطولة والشجاعة من جهة أخرى، وليس لهم أي مقصد في الاستقرار أو البقاء في الأماكن التي يغزونها ويتغلبون عليها. ولذلك فحروبهم كانت عبارة عن هجمات خاطفة على من يجدون عنده غرة، أو يتوقعون منه غفلة، فإن حصلوا على شيء فذلك مطلبهم، وإلا فروا هاربين ليعيدوا الكرة على نفس المكان أو عَلَى غيره في فرصة تكون أكثر مواتاة لهم. أما الأسلوب الثاني فقد كانت بعض تلك القبائل تلتحق ببعض الأمراء أو بعض الثائرين أو بعض المغامرين من طلاب الحكم، فتدخل تحت لوائه، وتحارب مع صفوفه لا محبة في نصره، ولا اعتناقا لمبدئه، وَإِنَّمَا استعانة به على تحقيق نزعة القتال الجامحة في نفوسهم، والتغني بالبطولة وعلى الحصول على الأموال من طريق الغنائم، الطريق الذي لا يعرفون غيره، ولا يفكرون في سواه، ولذلك فقد كان من السهل عَلَى تلك القبائل أن تنقلب عَلَى تناصره، وأن تعمل تحت قيادة من كانت تحاربه. وقد كانت "وَارجُلان" في هذا العهد -وهي محاطة بعدد غير قليل من هذه القبائل- غير خاضعة لدولة ولا تابعة لإمارة، وَإِنَّمَا كان مجلس العزابة يدير شؤونها وينظم أمورها، ويفصل في مشاكلها، ويتولى قيادة الدفاع عنها، وبقوتها الشعبية لا بقوة دولة، وبذلك كانت
من
کانت