الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٢

الإباضية في موكب التاريخ

278

الإباضية في الجزائر

عرضة للهجمات والغارات أكثر من جميع البلدان التي تجاورها، وقد يكون من الأسباب التي وجهت إليها أنظار المغيرين - رُبَّمَا أكثر من غيرها - أَنَّهَا كانت تتمتع بمركز اقتصادي ممتاز، وأن أهلها كانوا عَلَى نصيب وافر من الثروة والغنى بسبب الأخلاق التي كانوا يتحلون بها من جد ونشاط ومواصلة للعمل، سواء كان هذا العمل في خدمة الأرض والاشتغال بالزراعة، أو كان بالضرب في الأرض والسفر إلى بلاد السودان للاشتغال بالتجارة. وقد استطاع العزابة في هذه الفترة أن يحتفظوا بالسلطة كاملة، وأن يستمسكوا بقيادة الأمة، وأن يحافظوا على النهج القويم الذي كانوا يسيرون عليه من قبل، وأن يدفعوا عنهم عدوان المعتدين في تلك الغارات الخاطفة، دون أن يتورطوا في حروب طويلة مع الدول القائمة، أو الثائرين عليها، فلم ينحازوا إلى أي من الجانبين، وكانوا يتركون بلادهم شبه مفتوحة للحركات الدولية، فلا يعترضون سبيلها في تحركها ولا يخضعون لها، وإنَّمَا يتركونها تمر كما تمر العاصفة يتطامنون لها، تجاوزتهم وقفوا واستطاعوا أن تبقى بلادهم في تلك الظروف الحالكة المتقلبة في أمن وراحة وهناء. وكما يمتاز هذا العهد من تاريخ "وَارجُلان" بالحالة المضطربة فيما جاورها، وبكثرة الفتن والغارات والحروب كان العهد من تاريخها يمتاز بمزايا أخرى بعيدة كل البعد عن تلك المعاني، مباينة كُلّ المباينة لذلك الاتجاه، وذلك أن "وَار جلان" في كامل ذلك العهد أهم مركز علمي للإباضية، وأحصن ملجأ يلجأ إليه العلماء والطلاب والزهاد، وقد تداول فيه الرئاسة العلمية والدينية عدد من أعلام الإسلام، نذكر منهم أبا صالح الياجراني في أول العهد، وفيلسوف الإسلام أبا يعقوب يوسف بن إبراهيم في آخره، وبين العالمين العظيمين وفي عصريهما حلقات مترابطة من فطاحل العلماء، وأعداد لا نستطيع حصرها من طلاب العلـ في المدن والقرى، وحتى في الأحياء البادية (1). البادية (1).

إذا

(1) ذكر المؤرخون أن أبا صالح خرج من وارجلان إلى بعض الأحياء الضاربة في البادية، وكان له معهم إبل فوجد هنالك شيخاً من كبار العلماء عليه حلقة من الطلبة يتجاوز عددها ثلاثمائة، وعند رجوعه شيعه الشيخ وتلاميذه فال أحدهما الآخر قبل الوداع، قائلاً: "أخبرني ما أعظم شيء ينال به خير الدنيا؟ أهي التجارة أم الزراعة أم الصناعة؟ " فقال: "أفضل ما ينال به ذلك دعاء الصالحين، لا سيما إذا سبقه إغاثة ملهوف، أو سداد حاجة مضطر".