الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٣

الإباضية في موكب التاريخ

279

الإباضية في الجزائر

يقول الأستاذ أعزام عن هذا العهد في كتابه القيم غصن» «البان ما يلي: "وفي بحر هاته الأعوام اختلطت البلاد، ودخلت العرب الوطن كما سيأتي بيانه، وفي أثناء ذلك وقع الهجوم والهرج والفتن الكثيرة في المغرب، ولكنَّهم بقوا عَلَى حالتهم الأولى من الهدوء والسكون".

ويقصد الأستاذ أعزام بكلمة "العرب" هنا تلك الجموع الهائلة من بني. هلال وبني سليم

الذين وفدوا عَلَى المغرب بمكيدة من الدولة الفاطمية في القاهرة، فانتشروا في أرجاء ليبيـ وتونس والجزائر والمغرب، يقتلون ويخربون ويغنمون، وقد نالت "وار جلان" نصيبها منهم، ومِمَّن سار بسيرتهم وأصابتها فتن وحروب وتخريب، وإن كانت في أغلب الأوقات تقف للمعتدين بالمرصاد ترد عليهم ما يقومون به عليها من صولات وجولات، ما جعلها تعيش طيلة هذا العهد على استعداد دائم لترد عدوان المعتدين.

وقد صور المؤرخ الكبير ابن خلدون حركة دخول العرب من بني هلال وبني سليم، وما قاموا به من فتن وحروب وما أدخلوه على البلاد من الروع والفزع، وما ارتكبوه من تخريب في عدة مواضيع من كتابه القيم - نأخذ منه هذه الصورة لنعرضها على القارئ الكريم كمثل لما قام به أولئك الناس. قال ابن خلدون في تاريخه القيم (ج 6، ص (43) ما يلي: "وعاجوا على ما هنالك من الأمصار مثله طبنة والمسيلة فخربوها وأزعجوا ساكنيها، وعطفوا على المنازل والقرى والضياع والمدن فتركوها قاعًا صفصفًا، أقفر من بلاد الجن، وأوحش من جوف العير، وغوروا المياه، واحتطبوا الشجر، وأظهروا في الأرض الفساد". وأحسب أن هذه الصورة الصغيرة التي نقلناها للقارئ الكريم عن المؤرخ الكبير كافية المعرفة ما أصاب البلاد في المغرب الإسلامي من الأضرار ما كان يقوم به أولئك البداة الجفاة، الذين لم يلامس الإسلام قلوبهم إلا قليلا، وَلَمْ يلتزموا أحكامه في إخوانهم المسلمين لا كثيرا

ولا قليلا.