الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٤

الإباضية في موكب التاريخ

280

الإباضية في الجزائر

العهد الثالث

يمتد هذا العهد ما يزيد عن أربعة قرون أي من سنة 624 هـ عندما خرب الميورقي سدراتة إلى سنة 1040 هـ عندما استدعى بنو سيسين أسرة ابن علاهم لتولي الحكم في "وار جلان".

لقد ذكرت للقارئ الكريم أن أهل "وَارجُلان" الكرام كانوا في العهد السابق عرضة للغارات التي تقوم بها بعض القبائل التي تبني حياتها على السلب والنهب، ولكن سنة 624 هـ جاءت بأشد ما يُمكن أن يقع، فقد مر المغامر الجريء يحي بن إسحاق الميورقي على هذه المنطقة كما يَمُرُّ الإعصار، فقتل الأنفس بدون حساب، وخرب المدن، وغور المياه، وأحرق الغابات، وقد انصبت نقمته على سدراتة" فهدم، سورها، وتركها قاعا صفصفا، وغادرها كأن لم تغن بالأمس» (1).

كان ابن غانية ثائراً على الموحدين يريد أن يقوض دولتهم، وأن يبني لنفسه على أنقاضها ملكًا، فكان يَمُرُّ بالبلدان بشراذم من المغامرين فيقتلون ويخربون، ثُمَّ تَمرُّ من بعدهم جيوش الموحدين على تلك المدن والقرى المنكوبة فيعاقبونها هم الآخرون على استسلامها للميورقي، ودفعها له ما فرض من ضرائب .. وتوالت الهجمات من عدة أطراف فكانت لها نتائج وخيمة على تلك المنطقة.

ونظراً لتضافر القلاقل وكثرة الفتن وتعاقب طلاب الحكم على البلاد، وإنزالهم بالناس شَتَّى أنواع الظلم، وكثرة غارات البداة، ومن في حكمهم فإن هذا العهد يعتبر أسوأ عهد تاريخي مر عَلَى وَار خلان" في عهودها الإسلامية.

وإذا كانت الغارات وقطع الطريق والتعرض للسابلة في العهد السابق قد قيَّدت نشاطات رجال العلم والعمل، وعاقت طلاب العلم عن الانتقال بين المدارس والمفاضلة بين الشيوخ والمدرسين والالتحاق بأكثرهم فائدة وأوسعهم دائرة، وأصبرهم على العطاء؛ فإن حالات الفتنة واستمرار الحرب والاضطراب والقلق قد أثرت عَلَى الناس فاشتغلوا بوسائل الدفاع،

(1) ما بين قوسين عبارة أبي العباس.