الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٥الإباضية في موكب التاريخ
281
الإباضية في الجزائر
وكرسوا أنفسهم لرد سيول المهاجمين الذين لا ينقطعون، وقرّ كُلّ واحد منهم في موطنه يتوقع كُل يوم نزول المصائب، ويحتال لدفعها، ويعد الوسائل لردها أو التخفيف منها، فوقع شبه تهاون في الجانب العلمي بانصراف العلماء والمتعلمين إلى مضاعفة الاشتغال في الميدان الاقتصادي حتى تستطيع البلاد مواجهة ما تأتي به الأيام من المطالبات، كما أنهم كانوا أيضا يعدون وسائل الدفاع، ويتدربون عليها لرد الغارات التي يقوم بها طلاب المال من رؤساء
القبائل.
وفي هذه الأثناء احتاجت البلاد إلى رجال أشداء تسند إليهم إدارة البلاد عسكريا ليتولوا حمايتها والدفاع عنها، وَلَمَّا كان من تتوفر فيه شروط القيادة السياسية والعسكرية قد لا تتوفر فيه شروط الزعامة الدينية التي يقوم بها العزابة، ومن تتوفر فيه شروط العزابة قد لا تتوافر فيه شروط الزعامة للقيادة السياسية والدفاع، فقد أسند الدفاع إلى رجال من غير العزابة، وقد سار أولئك الحكام المختارون في مبدأ الأمر سيرة حسنة، خاضعين للاختيار والشورى، عاملين بنصائح العزابة وتوجيهاتهم، ولكنَّهم لم يلبثوا أن استغلوا تلك المناصب فأعطوا لأنفسهم حق الحكم والتحكم حسبما يعرف عند غيرهم من المجتمعات، وحرصوا على أن يبقى الأمر في أيديهم، ثُمَّ عملوا عَلَى أن يبقى الحكم وراثيا في أسرهم.
وعندما بلغ بهم الانحراف إلى هذا الاتجاه بدأت المشاكل الداخلية، فقد كانت أسر أخرى ترى أن تولّي الحكم شرف وحق، وهي تريد أن تحصل على هذا الشرف وتنال هذا الْحَقِّ، وكانت أسر أخرى ترى أن الحكم مغنم ووسيلة للاستغلال، وهي تريد أن تجني لنفسها بعض المكاسب، وتستغل ما استغله الآخرون. كان هناك مجموعات من الناس ينتقدون في الأسر الحاكمة هذا الانحراف الذي يميل إلى الاستبداد والاستعلاء، ويحاولون أن يطيحوا بأولئك الحكام حَتَّى يقوم الأمر على نزاهة ونظافة واستقامة، وبدأ التطاحن الداخلي في نفس "وَارجُلاَن" يفعل فعله؛ فانقسم أهلها وكان لِكُلِّ داعية أتباع، ولكل قبيلة أشياع، استطاع "بنو سيسين" أن ينزعوا الحكم من "بني وكين"، ولم يطل ببني سيسين الأمر، فقد وقع بين أفراد العائلة نفسها نزاع وخصام نتجت عنه فتن طويلة ذهبت فيها أموال وأرواح، وخشي أصحاب الحكم من "بني سيسين" أن