الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٦

الإباضية في موكب التاريخ

282

الإباضية في الجزائر

يتغلب عليهم منافسوهم فينتزعون منهم مقاليد السلطة، فارتكبوا الخطأ الذي يرتكبه كُلّ ضعيف يتمسك بالحكم رغما عن أهل وطنه؛ فالتجأوا إلى خارج "وار جلان"، وذهب منهم وفد إلى مراكش يدعو إليهم من يسندهم في موقفهم ويشدهم على كراسيهم، فجاءتهم هذه المساعدة ممَّن أخذ الحكم منهم ومن منافسيهم. وفي سنة 1040 هـ قدم مولاي عبد الغفار بن مولاي مُحَمَّد بن مولاي علاهم بدعوة من "بني سيسين" ليتولى الحكم على شروط شرطوها عليه فقبل منهم، وأقبل إلى "وَار خلان" حيث تولى الحكم إلى الأبد من "بني سيسين" ومن بني وكين ومن أهل "وار خلان" أجمعين، وكان مجيء عبد الغفار هذا مبدأ للعهد الرابع من تاريخ "وَار جلان" الحافل.

انقضى هذا العهد بين فتن وحروب داخلية وغارات متواصلة من الخارج، وحيل بين العزابة وبين توجيه الناس والسير بهم في جميع الاتجاهات واستبدت السلطة في بعض الأحيان استبدادًا أخفت صوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويبدو أن الاستمساك بالدين والمحافظة عليه ومراعاة آدابه لم يعد مثلما كان من قبل عندما كانت جميع الأمور بيد العزابة، وتوالى الضغط عَلَى الإباضيَّة في "وَارجُلاَن" وما يُجاورها، وكانت الغارات توجه إليهم باسم المذهبية من ناس جهلة لا يفرقون بين الحلال والحرام ولا بين مذهب ومذهب، وَإِنَّمَا يتخذون المذهبية وسيلة لابتزاز الأموال واستحلال الاستغلال، فأثرت هذه المواقف على البلدان المجاورة لـ " وراجلان"، فكان الإباضيَّة يتناقصون منها تحت الضغط المتواصل بالهجرة ومرة بالانتساب إلى المذاهب الأخرى حَتَّى انقرضوا من تلك البلاد.

أَمَّا "وَارجُلان" التي كانت في ذلك الحين أقوى المراكز الإباضية في المغرب الإسلامي فقد استطاعت أن تصمد وأن تحتفظ بكيانها، وإن كانت تلك الظروف قد أثرت عليها تأثيرًا كبيرًا فأخذت في الضعف، وكثر فيها الجهل وانحراف الناس عن النهج القويم الذي كان عليه أسلافهم وانعزل مجلس العزابة عن مهمته الحقيقية من قيادة الأمة في جميع الميادين، والإشراف على المجتمع وتوجيهه إلى هيئة قائمة في المسجد، مهمتها القيام بشعائر العبادة ثُمَّ الفتوى البعيدة عن التنفيذ.