الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٧الإباضية في موكب التاريخ
283
الإباضية في الجزائر
ويبدو لي أن هذه الصورة شبيهة كُلّ الشبه بما مر على "جربة" في الأيام الأخيرة قبل انحلال مجلس العزابة، وَكُلُّ ما هنالك من فرق أن المجلس في "جربة" قد انحل كما انحل في "جبل نفوسة"، وانفرط ذلك العقد الكريم فلم يعد له أثر على المجتمع، بل لم يعد له وجود لا شكلا ولا موضوعا؛ أما في "وار خلان" فقد استطاع المجلس أن يصمد وأن يقاوم وأن يحتفظ بمكانه من بيت الله. واليوم وقد بزغت شمس الحرية على الجزائر العظيمة، وانفتحت أبواب العلم والمعرفة للشباب المسلم في كُلّ الأصقاع وَكُلّ الأقطار، وأصبح ميسوراً لأبناء وَالآن" الأذكياء أن يلحقوا بمعاهد العلم وأن يغترفوا منها بسهولة ويسر، فعساهم أن يردوا لوراجلان مجدها العظيم ومركزها التاريخي الرفيع، وأن يغدو مجلس العزابة بالعناصر المتعلمة المؤمنة التي تجمع بين الثقافة الواسعة الواعية، والعقيدة المؤمنة الصادقة والسلوك المهذب القويم، والعمل المتواصل الدؤوب ليواصل مجلس العزابة الموقر رسالته العظيمة في كفاح الباطل، وكفاح الرذيلة، ومحاربة المنكر.
وإذا كان أسلافهم الكرام قد بلغوا من غزارة العلم ومتانة الدين وقوة الإرادة ما استطاعوا به أن يقوموا بواجبهم، وأن يبلغوا رسالتهم وسط الأعاصير والزوابع فليس للأبناء اليوم عذر في التقهقر أو التخلف أو الانحراف، وإذا كان أولئك الأسلاف العظام بلغوا إلى أسبانيا طلبا للعلم وتوغلوا إلى مجاهل إفريقيا طلبا للرزق ونشراً لدعوة الإسلام، فما أحرى هذا الخلف وقد تيسرت له السبل أن يبلغوا ما لم يبلغه أولئك مع معاكسة الزمان وجور الأيام.