الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٨الإباضية في موكب التاريخ
284
الإباضية في الجزائر
العهد الرابع
يمتد هذا العهد ما يقرب من قرنين ونصف من سنة 1040 هـ التي تولى فيها أسرة ابن
علاهم الحكم على وارجلان إلى سنة 1286 هـ عندما احتلت فرنسا الجزائر. وفي هذا العهد كانت "وَار جلان" شبه إمارة مستقلة، فقد كان يرأسها شريف يحكمها حكمًا مستبدا مطلقا، وإن كان في أغلب الأوقات يتبع الدولة العثمانية تبعية اسمية، يجمع لها الضرائب في مواسمها ويسلمها إليها، وليس له شأن بها غير ذلك .. وقد كان الحكم طيلة هذا العهد وراثيا في أسرة بني علاهم، وقد سار بعض الحكام من هَذه الأسرة سيرة نظيفة نزيهة فيها كثير من العدل والاستقامة، وسار آخرون سيرة فيها من الانحراف والاستبداد والظلم ما يبعد بهم عن منهج الحكم في الإسلام، كما أن منهم من يستقيم فترة ثُمَّ يبدو له فينحرف ويرتكب ما لم يرتكبه غيره من الظالمين، ومع هذه الحال المتقلبة التي كان عليها حكام وارجلان" من أسرة بني علاهم فقد كان أهل البلد راضين بهم؛ ذلك لأن وجودهم كان يحمي البلاد من شرور المغامرين والمغيرين الذين لا ينفكون يهجمون على الآمنين يقتلون ويسلبون ويختلسون. لقد كانت الجزائر كُلّها في هذا العهد تابعة للدولة العثمانية، ولكنها في نفس الوقت لم تتمكن من التنظيم والاستقرار والحكم المباشر، لا سيما في الدواخل والجنوب، وذلك أن الدول الغربية كانت لا تتوقف عن مهاجمة الجزائر في مُختلف الجهات وبمختلف الأساليب وسواء كانت الدوافع إلى ذلك رغبة في القرصنة التي احترفتها ورعتها بعض الدول الغربية مثل أسبانيا والبندقية، أو كانت أسبابًا استعمارية، أو كانت أسبابا صليبية يمليها التعصب الديني؛ فكانت تلك الهجمات تتوالى وإن اختلفت أماكنها مَرَّةً عَلَى الجزائر ومرة أخرى على وهران أو تلمسان أو عنابة أو بجاية أو غيرها .. وكثيرًا ما يجد أولئك المهاجمون من يساعدهم من المغامرين وينضم إليهم في محاربة الدولة العثمانية طمعا في منصب، أو جريا وراء غنيمة تؤخذ، أو غنيمة تُمنح .. وكان في نفس الوقت ثورات تثور في الدواخل من المغامرين طلاب الحكم أو طلاب المال، وكانت الدولة غالبًا مشغولة عنهم بمصارعة العدوان
الخارجي وإيقافه عند حده، فتستمر أعمالهم الفوضوية حتى تلتفت إليهم الدولة.