الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٤٩

الإباضية في موكب التاريخ

285

الإباضية في الجزائر

وكانت "وَارجُلان" في هذه الظروف المتقلبة هادئة راضية بوضعها، فهي لا تثور على الدولة العثمانية، ولا تحاول الاستقلال عنها، ولا تمتنع عن دفع الضريبة السنوية عليها، إلا أن هذا الاستقرار بالنسبة إلى علاقة وارجلان بالدولة الكبرى لم يكن عامل استقرار بالنسبة للبلد نفسه، وللأسرة التي تحكمه؛ فقد كان الخلاف لا ينفك يثور بين أهل البلد بتحريض بعض المتعصبين للمذهبية الدينية كما كان التراع لا يلبث أن ينشب بين أفراد الأسرة الحاكمة نزاعاً عَلَى الحكم ورغبة في الاستغلال وقد كان ينبني على ذلك فتن داخلية ومكائد سياسية ينجم عنها إزهاق أرواح، إما بطريق الاغتيال الفردي أو الحرب الداخلي .. ومضى هذا العهد عَلَى وَارجُلاَن" كما مضى العهد السابق لم تتمكن فيه من مراجعة نفسها وتصفية حسابها، والرجوع بسيرتها إلى ما عرف من تاريخها المجيد؛ فبقى مجلس العزابة في المسجد يقوم بالأمور الدينية الخاصة بالعبادة وليس له من أمر توجيه الناس، ومعالجة مشاكلهم بشيء، كما أَنَّهُ لَمْ يتمكن من مُحاربة البدعة في انحراف الحكم، لا سيما وأن ولاة الحكم كانوا على غير مذهب الإباضية؛ فلم يكونوا يستمعون إلى رأي مجلس العزابة، وإذا شدد المجلس في الإنكار على أحدهم لسوء تصرفه وانحرافه وعدم تقيده بأحكام الدين يعزو الحاكم ذلك إلى الخلاف المذهبي وينسبه إلى التعصب والتحكم ثُمَّ يثير العامة من المذاهب الأخرى فتحدث فتن بسبب ذلك بين الناس، ويستقر هو في منصبه بعد أن يضرب الأمة بعضها ببعض، ويفرق كلمتها، ويشعل بينها نار الشحناء والبغضاء. وخلاصة القول في هذا العهد أن "وَارجُلاَن" كانت فيه مستقلة منعزلة مشغولة بأحداثها الخاصة دائرة عَلَى نفسها، وكانت علاقتها بأواسط إفريقيا أكثر من علاقتها بشمالها؛ فقد كانت تجارتها وأسفارها متجهة إلى الجنوب أكثر مما كانت متصلة بالشمال، وهذه الحركة المتجهة إلى الجنوب من "وَارجُلاَن" وما شابهها من الواحات كانت هي المعين الذي يستمد منه المسلمون في إفريقيا المدد الروحي، وكان أولئك المسافرون هم حقا الدعاة الذين أبلغوا الإسلام إلى كُلِّ مكان في هذه القارة السوداء المجهولة العظيمة.