الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٦الإباضية في موكب التاريخ
1. {
نشأة المذهب الإباضي
ولما غلب عليهم عدو لا يرحم أفسد فيهم الدين والخلق قبل أن يستغلهم في العمل والمال،
ويأخذ منهم
الجهد والثروة، ويقضي فيهم بحكم الجبروت والقوة.
الله، ومن المحافاة لكتاب الله، ومن التنكب عن هدي رسول وإنه لمن الابتعاد عن دين الله أن تجيء اليوم إلى بلد إسلامي تحكمه فيما تزعم دولة مسلمة، فترى دور البغاء مفتحة لطلاب الشهوة، وعبيد الشيطان؛ لأن دولا من الغرب ترى أن في ذلك مصلحة.
وترى حانات
يروج
فيها البيع والشراء، وتزدحم الزبائن على ارتشاف ما حرمه الله، وأمر نبيه
ال بكسر دنانه؛ لتساير الدولة المسلمة أعداء الله وتكسب منهم - في زعمها - مالا حرامًا. وترى دورًا مشيدة، الأركان عظيمة، البنيان مفروشة بأرقى ما وصل إليه ذوق الإنسان، تقدر فيها قيمة الكسب، وتضيع فيها ثمرة الجهد، لتلتهم المائدة الخضراء المال الذي هو من حق الأمة، اختلسه منها الأبناء العاقون والحكام الظالمون، والعملاء المستغلون. إن هذه الصور وآلافا من هذه الصور التي تتراءى كُلّ يوم في كل بلد من بلاد الإسلام، يجب أن تزول، لو أن المجتمع الإسلامي بقي مهيمنا على الفرد ومهيمنا على الدولة التي يسير بها أفراد؛ لأن هذه الموبقات التي أشاعها الاستعمار في بلاد الإسلام، ليحول بين المسلمين
والعمل بعقيدتهم الصافية، وخلقهم الطاهر السليم، هي الأدواء التي فتكت بالشباب المسلم. فهانت عليه كرامة الرجولة، وأذلته الشهوة المحرمة، فضاع عرضه وحيويته بين صوت الدعارة، وتسكع بين الحانات يشرب الخمر، ويقرع الكأس بالكأس حتى ضاع وقته، وضاع عقله، ثُمَّ حاول أن يكتسب المال من أيسر طريق، فولج دور القمار، فسرق القمار ماله وأعصابه وسلامة تفكيره، وخرج إلى الشارع حطاما ليس له مال ولا عرض ولا دين. وقد سلم المجتمع الإباضي من هذه الأدواء وأشباهها على مدى التاريخ، وما عدا الأربعين سنة التي استثنيناها فيما سبق من تاريخ ليبيا فقط؛ لأن المجتمع الإباضي بقي مسيطرا على الفرد، ولأن نظام العزابة كما أشرت إليه في فصل مسالك الدين في دور الكتمان، بقي يوجه المسلمين ويحاسبهم على أعمالهم، ويحدد لهم الاتجاه الذي بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا تغلب المستعمرون على ليبيا وقضوا على نظام العزابة في البلاد، وحالوا بين العلماء وبين القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنعوا إعلان الولاية والبراءة ممن يستحقها، بدأ بعض الناس