الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٥٨

الإباضية في موكب التاريخ

294

الإباضية في الجزائر

بين "وارجلان" و "وادي ميزاب"

لا شك أن كثيرًا من سكان "سدراته" و"وار جلان" هاجروا إلى "وادي ميزاب" (بادية بني مصعب)، وقد استمرت تلك الهجرة المتقطعة من أوائل القرن الخامس إلى الثلـ الأَوَّل من القرن السابع .. وأسباب تلك الهجرة المتطاولة متعددة، بعضها اقتصادي وبعضها علمي، وبعضها سياسي.

ومن المؤسف أن بعض المؤرخين المستأخرين يذكرون أن سبب هجرة أهل "سدراته" إلى "وادي ميزاب" إِنَّمَا هي الفتن التي أشعلها ضدهم إخواتهم بنو "وارجلان"، وأحسب أن هذه الكلمة وردت أَوَّل ما وردت إمَّا في القصص الشعبي الذي يعلل الأحداث التاريخية البعيدة بالخيال والمبالغة، وَإِمَّا عَلَى لسان مؤرخ غير نزيه القصد يرمي إلى إيقاع الفتنة بين الأخوين العزيزين المتحابين فانساق بعض مؤرخينا المعاصرين وراء تلك الرواية، بل ذهب بعضهم إلى المفاضلة بين "وَارجُلاَن" القديمة و"سدراته" الحديثة وما تتصف به الأولى من شيخوخة وهرم وتتحلى به الثانية من شباب وجمال جاءت به من الشمال، وحاول أن يصور الدافع حسب ظنه - إلى الخلاف بينهما بغيرة أهل وار جلان" من أهل "سدراته" وحسدهم لهم عَلَى نجاحهم مِمَّا حملهم على مضايقتهم ودفعهم إلى الهجرة بعيدا عنهم.

وقد كنت أرى أن هذا لا ينسجم مع منطق الأحداث في تلك الفترة من التاريخ لا سيما أن "وَارجُلان" و"سدراته" كانتا تتمتعان في ذلك الحين بازدهار ديني وعلمي

وخلقي رفيع. وعندما كنت أكتب هذا الفصل وأنا قلق من وجود هذه الفكرة وسيطرتها على بعض المؤرخين المعاصرين حَتَّى حسبها حقيقة، وكان بين يدي ما تيسر من مراجع التاريخ من مؤلفين قدماء ومحدثين أقلبها صفحة صفحة لاستخلاص الحقائق التاريخية التي تسير حسب ما تقتضيه الأحداث من جهة، وينسجم مع الخلق الإباضي من جهة أخرى، ويتفق مع نفسية طائفتين من الناس تعتنقان مبدأ واحدا وقع عليهما كليهما بسببه