الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٦٥الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
11
فما هو الاسم الأصلي لهذه الأرض؟ يبدو لي أن التسمية الأصلية لهذه الأرض هي بادية ابني مصعب"؛ لأنّ "بني مصعـ مصعب هم الذين كانوا يعمرون هَذه المنطقة، وينتقلون بين أجزائها، فكانت لهم منتجعا ومرتعًا، وَلَمَّا كانت هذه البادية تخترقها وديان ثلاثة على شكل جبال طويلة، وتعترضها سلاسل مُمتدة من الجبال شابهت في صورتها الشبكة، فأطلق عليها أيضا أرض الشبكة.
"
أما كلمة "ميزاب" فقد تكون اسما لأحد الأودية الثلاثة كما يعتقد أكثر الناس، وقد تكون اسما لفروع من قبيلة "نفوسة" كما يرى الأستاذ الكعاك، وقد يكون مقتبسا من "ميزاب" الكعبة المشرفة، كما علل القطب - رحمه الله-. ولكنني غير مطمئن لهذه الفروض جميعا، فأنا أرجح بدون استناد إلى أدلة كافية أن كلمة محرفة عن مصعب أو مصاب أو مضاب. وهذه الكلمات الثلاثة ترد كثيرا في المصادر التي تتكلم عن تلك المنطقة، أو عن الأشخاص الذين ينتسبون إليها، ممَّا يَدُلُّ أن أصلها واحد، فأصل الكلمة فيما يبدو "مصعب"، ثُمَّ حرفت إلى مصاب بإبدال حرف العين همرا، وحروف الحلق عند البربر ينوب بعضها عن بعض، فكثيراً ما ينطقون الخاء بدلا من الحاء، والهمز بدلا من العين، بل رُبَّمَا كان حرف العين من أعسر الحروف نطقا عليهم، ولذلك فتجري ألسنتهم بالهمز بدلا عنها (1)، ثُمَّ سهلت الهمزة فقرأت الصاد، ممدودة، ثُمَّ إن هذه الصاد حرفت مرة أخرى فنطقها بعض ضادًا، ونطقها بعض زايا لتقارب مخرجي الضاد والزاي. وعلى كُلّ فكلمة "ميزاب" هي المرحلة الأخيرة لمصعب، وشاع اليوم أن تنطق كلمة "ميزاب" بميم مكسورة يمدها البعض، ولا يمدها آخرون. ولكن كثيرا من الناس ينطقونها مضمومة ممَّا يَدُلُّ أن أصلها مصاب، ومصأب مصعب، فكلمة "ميزاب" إذن هي مصعب، وكلمة "بنو ميزاب" تَدُلُّ عَلَى ما كانت تدلُّ عليه كلمة "بنو مصعب" غير أن "بني
كلمة
(1) من ذلك أَنهم يقولون: "أبد الله" بدلا من عبد الله، وكثير من الأعلام اشتهرت هكذا حتى ظن الناس أنها وضعت قصداً كذلك. ومنها نطقهم لفظة "أُمِّي" بدلا عن عمي حتَّى ظن الناس أنها وضعت كذلك للدلالة
على الاحترام والتعظيم.